ابن كثير

353

البداية والنهاية

الديار المصرية قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح ، وقد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خاله تاج الدين يحكم فيه مستقلا معه ومنفردا بعده . وفي شهر الله المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم وهم مشغرا وتلبتاثا ، وسبب ذلك أنهما عاصيان وأهلهما مفسدان في الأرض ، والبلدان والأرض حصينان لا يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقي إليهما إلا فارس فارس ، فخربتا وعمر بدلهما في أسفل الوادي ، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم والطلب بسهولة ، فأخبرني الملك صلاح الدين بن الكامل أن بلدة تلبتاثا عمل فيها ألف فارس ، ونقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمائة حمار عدة أيام . وفي يوم الجمعة سادس صفر بعد صلاة صلي على قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن قاضي القضاة شرف الدين أحمد ابن أقضى القضاة بن الحسين المزي الحنفي ، وكانت وفاته ليلة الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر ، وقد جاوز الأربعين بثلاث من السنين ، ولي قضاء قضاة الحنفية ، وخطب بجامع يلبغا ، وأحضر مشيخة النفيسية ، ودرس بأماكن من مدارس الحنفية ، وهو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كيسان بحضرة نائب السلطنة . وفي صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر بن القاضي عبد الحي بن إدريس الحنبلي محتسب بغداد ، وقاضي الحنابلة بها ، فتعصبت عليه الروافض حتى ضرب بين يدي الوزارة ضربا مبرحا ، كان سبب موته سريعا رحمه الله ، وكان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، من أكبر المنكرين على الروافض وغيرهم من أهل البدع رحمه الله ، وبل بالرحمة ثراه . وفي يوم الأربعاء تاسع صفر حضر مشيخة النفيسية الشيخ شمس الدين بن سند ، وحضر عنده قاضي القضاة تاج الدين وجماعة من الأعيان ، وأورد حديث عبادة بن الصامت " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ( 1 ) أسنده عن قاضي القضاة المشار إليه . وجاء البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تاج الدين إلى هناك ، فسير أهله قبله على الجمال ، وخرجوا يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول جماعة من أهل بيتهم لزيارة أهاليهم هناك ، فأقام هو بعدهم إلى أن قدم نائب السلطنة من الرحبة وركب على البريد . وفي يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة رجع قاضي القضاة تاج الدين السبكي من الديار المصرية على البريد وتلقاه الناس إلى أثناء الطريق ، واحتفلوا للسلام عليه وتهنئته بالسلامة انتهى . والله أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الصلاة ح ( 42 ) وأبو داود في الصلاة باب ( 132 ) والترمذي في الصلاة باب ( 116 ) والإمام أحمد في المسند 2 / 308 ، 428 ، 443 .