ابن كثير
349
البداية والنهاية
إلى الديار المصرية لتولية قضاء قضاة الشافعية بدمشق ، عن رضا من خاله قاضي القضاة تاج الدين ، ونزوله عن ذلك . وفي يوم الخميس خامس ربيع الأول احترقت الباشورة ( 1 ) التي ظاهر باب الفرج على الجسر ، ونال حجارة الباب شئ من حريقها فاتسعت ، وقد حضر طفيها نائب السلطنة والحاجب الكبير ، ونائب القلعة وغيرهم . في صبيحة هذا اليوم زاد النهر زيادة عظيمة بسبب كثرة الأمطار وذلك في أوائل كانون الثاني ، وركب الماء سوق الخيل بكماله ، ووصل إلى ظاهر باب الفراديس ، وتلك النواحي ، وكسر جسر الخشب الذي عند جامع يلبغا ، وجاء فصدم به جسر الزلابية فكسره أيضا . وفي يوم الخميس ثاني عشره صرف حاجب الحجاب قماري عن المباشرة بدار السعادة ، وأخذت القضاة من يده وانصرف إلى داره في أقل من الناس ، واستبشر بذلك كثير من الناس ، لكثرة ما كان يفتات على الأحكام الشرعية . وفي أواخره اشتهر موت القاضي تاج الدين المناوي ( 2 ) بديار مصر وولاية قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء السبكي مكانه بقضاء العساكر بها ، ووكالة السلطان أيضا ، ورتب له مع ذلك كفايته . وتولى في هذه الأيام الشيخ سراج الدين البلقيني إفتاء دار العدل مع الشيخ بهاء الدين أحمد بن قاضي القضاة السبكي بالشام ، وقد ولي هو أيضا القضاء بالشام كما تقدم ، ثم عاد إلى مصر موفرا مكرما وعاد أخوه تاج الدين إلى الشام ، وكذلك ولوا مع البلقيني إفتاء دار العدل الحنفي شيخا يقال له الشيخ شمس الدين بن الصائغ ، وهو مفتي حنفي أيضا . وفي يوم الاثنين سابع ربيع الأول توفي الشيخ نور الدين محمد بن الشيخ أبي بكر قوام بزاويتهم بسفح قاسيون ، وغدا الناس إلى جنازته ، وقد كان من العلماء الفضلاء الفقهاء بمذهب الشافعي ، درس بالناصرية مدة سنين بعد أبيه ، وبالرباط الدويداري داخل باب الفرج ، وكان يحضر الناس ، ونزل عندنا بالمدرسة النجيبية ( 3 ) ، وكان يحب السنة ويفهمها جيدا رحمه الله ( 4 ) .
--> ( 1 ) في البداية المطبوعة ، الباسورة ، وقد تقدمت الإشارة إليها قريبا . ( 2 ) وهو تاج الدين أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن السلمي المصري المناوي ، تفقه على عمه ضياء الدين المناوي وناب في الحكم عن القاضي عز الدين بن جماعة ، وكان محمود الخصال مشكور السيرة ، مهابا صارما . توفي في " ربيع الآخر - كما في شذرات الذهب - ودفن بتربته بظاهر باب تربة الشافعي " . ( 3 ) المدرسة النجيبية بدمشق لصق المدرسة النورية وضريح نور الدين جهة الشمال ، أنشأها النجيبي جمال الدين آقوش الصالحي النجمي استادار الملك الصالح أيوب ( الدارس 1 / 468 ) . ( 4 ) في شذرات الذهب 6 / 205 : ولد في رمضان سنة 717 ه وتوفي في ربيع الآخر .