ابن كثير
336
البداية والنهاية
وفي صبيحة يوم السبت رابع رجب ضرب نائب السلطنة جماعة من أهل قبر عاتكة أساؤوا الأدب على النائب ومماليكه ، بسبب جامع للخطبة جدد بناحيتهم ، فأراد بعض الفقراء أن يأخذ ذلك الجامع ويجعله زاوية للرقاصين ، فحكم القاضي الحنبلي بجعله جامعا قد نصب فيه منبر ، وقد قدم شيخ الفقراء على يديه مرسوم شريف بتسليمه إليه ، فأنفت أنفس أهل تلك الناحية من عوده زاوية بعد ما كان جامعا ، وأعظموا ذلك ، فتكلم بعضهم بكلام سئ ، فاستحضر نائب السلطنة طائفة منهم وضربهم بالمقارع بين يديه ، ونودي عليهم في البلد ، فأراد بعض العامة إنكارا لذلك ، وحدد ميعاد حديث يقرأ بعد المغرب تحت قبة النسر على الكرسي الذي يقرأ عليه المصحف ، رتبه أحد أولاد القاضي عماد الدين بن الشيرازي ، وحدث فيه الشيخ عماد الدين بن السراج ، واجتمع عنده خلق كثير وجم غفير ، وقرأ في السيرة النبوية من خطي ، وذلك في العشر الأول من هذا الشهر . أعجوبة من العجائب وحضر شاب عجمي من بلاد التبريز وخراسان يزعم أنه يحفظ البخاري ومسلما وجامع المسانيد والكشاف للزمخشري وغير ذلك من محاضيرها ، في فنون أخر ، فلما كان يوم الأربعاء سلخ شهر رجب قرأ في الجامع الأموي بالحائط الشمالي منه ، عند باب الكلاسة من أول صحيح البخاري إلى أثناء كتاب العلم منه ، من حفظه وأنا أقابل عليه من نسخة بيدي ، فأدى جيدا ، غير أنه يصحف بعضا من الكلمات لعجم فيه ، وربما لحن أيضا في بعض الأحيان ، واجتمع خلق كثير من العامة والخاصة وجماعة من المحدثين ، فأعجب ذلك جماعة كثيرين ، وقال آخرون منهم إن سرد بقية الكتاب على هذا المنوال لعظيم جدا ، فاجتمعنا في اليوم الثاني وهو مستهل شعبان في المكان المذكور ، وحضر قاضي القضاة الشافعي وجماعة من الفضلاء ، واجتمع العامة محدقين فقرأ على العادة غير أنه لم يطول كأول يوم ، وسقط عليه بعض الأحاديث ، وصحف ولحن في بعض الألفاظ ، ثم جاء القاضيان الحنفي والمالكي فقرأ بحضرتهما أيضا بعض الشئ ، هذا والعامة محتفون به متعجبون من أمره ، ومنهم من يتقرب بتقبيل يديه ، وفرح بكتابتي له بالسماع على الإجازة ، وقال : أنا ما خرجت من بلادي إلا إلى القصد إليك ، وأن تجيزني ، وذكرك في بلادنا مشهور ، ثم رجع إلى مصر ليلة الجمعة وقد كارمه القضاة والأعيان بشئ من الدراهم يقارب الألف . عزل الأمير علي عن نيابة دمشق في يوم الأحد حادي عشر شعبان ورد البريد من الديار المصرية وعلى يديه مرسوم شريف