ابن كثير

332

البداية والنهاية

صرح فحصروهم هنالك ، ثم ولت الاعراب فرارا ولم يقتل من الترك أحد ، وإنما جرح منهم أمير واحد فقط ، وقتل من الاعراب فوق الخمسين نفسا . وقدم الحجاج يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرم ، ودخل المحمل السلطاني ليلة الاثنين بعد العشاء ، ولم يحتفل لدخوله كما جرت به العادة ، وذلك لشدة ما نال الركب في الرجعة من بريز إلى هنا من البرد الشديد ، بحيث إنه قد قيل إنه مات منهم بسبب ذلك نحو المائة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولكن أخبروا برخص كثير وأمن ، وبموت نفسة أخي عجلان صاحب مكة ، وقد استبشر بموته أهل تلك البلاد لبغيه على أخيه عجلان العادل فيهم انتهى والله أعلم . منام غريب جدا ورأيت - يعنى المصنف - في ليلة الاثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة ثلاث وستين وسبعمائة الشيخ محيي الدنين النواوي رحمه الله فقلت له : يا سيدي الشيخ لم لا أدخلت في شرحك المهذب شيئا من مصنفات ابن حزم ؟ فقال ما معناه : إنه لا يحبه ، فقلت له : أنت معذور فيه فإنه جمع بين طرفي النقيضين في أصوله وفروعه ، أما هو في الفروع فظاهري جامد يابس ، وفي لأصول تول مائع قرمطة القرامطة وهرس الهرائسة ، ورفعت بها صوتي حتى سمعت وأنا نائم ، ثم أشرت له إلى أرض خضراء تشبه النخيل بل هي أردأ شكلا منه ، لا ينتفع بها في استغلال ولا رعي ، فقلت له : هذه أرض ابن حزم التي زرعها قال : أنظر هل ترى فيها شجرا مثمرا أو شيئا ينتفع به ، فقلت : إنما تصلح للجلوس عليها في ضوء القمر . فهذا حاصل ما رأيته ، ووقع في خلدي أن ابن حزم كان حاضرنا عندما أشرت للشيخ محيي الدين إلى الأرض المنسوبة لابن حزم ، وهو ساكت لا يتكلم . وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر خلع على القاضي عماد الدين بن الشيرجي بعود الحسبة إليه بسبب ضعف علاء الدين الأنصاري عن القيام بها لشغله بالمرض المدنف ، وهنأه الناس على العادة . وفي يوم السبت السادس والعشرين من صفر توفي الشيخ علاء الدين الأنصاري المذكور بالمدرسة الأمينية ، وصلي عليه الظهر بالجامع الأموي ، ودفن بمقابر باب الصغير خلف محراب جامع جراح ، في تربة هنالك ، وقد جاوز الأربعين سنة ، ودرس في الأمينية وفي الحسبة مرتين وترك أولادا صغارا وأموالا جزيلة سامحه الله ورحمه ، وولي المدرسة بعده قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي بمرسوم كريم شريف . وفي العشر الأخير من صفر بلغنا وفاة قاضي قضاة المالكية الأخنائي ( 1 ) بمصر وتولية أخيه

--> ( 1 ) وهو تاج الدين بن علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران الأخنائي ( بدائع الزهور 1 / 587 ) .