ابن كثير
326
البداية والنهاية
وصول السلطان الملك المنصور إلى المصطبة غر بي عقبة سجورا كان ذلك في يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان في جحافل عظيمة كالجبال ، فنزل عند المصطبة المنسوبة إلى عم ابنته الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون ، وجاءت الأمراء ونواب البلاد لتقبيل يده والأرض بين يديه ، كنائب حلب ، ونائب حماة ، وهو الأمير علاء الدين المارداني ، وقد عين لنيابة دمشق ، وكتب بتقليده بذلك ، وأرسل إليه وهو بحماة . فلما كان يوم السبت السابع والعشرين منه خلع على الأمير علاء الدين علي المارداني بنيابة دمشق ، وأعيد إليها عودا على بدء ، ثم هذه الكرة الثالثة ، وقبل يد السلطان وركب عن يمينه ، وخرج أهل البلد لتهنئته ، هذا والقلعة محصنة بيد بيدمر ، وقد دخلها ليلة الجمعة واحتمى بها ، هو ومنجك واستدمر ومن معه من الأعوان بها ، ولسان حال القدر يقول ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) [ النساء : 78 ] . ولما كان يوم الأحد طلب قضاة القضاء وأرسلوا إلى بيدمر وذويه بالقلعة ليصالحوه على شئ ميسور يشترطونه ، وكان ما سنذكره انتهى والله تعالى أعلم . سبب خروج بيدمر من القلعة وصفة ذلك لما كان يوم الأحد الثامن والعشرين منه أرسل قضاة القضاء ومعهم الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي ، والشيخ سراج الدين الهندي الحنفي ، قاضي العسكر المصري للخنفية ، إلى بيدمر ومن معه ليتكلموا معهم في الصلح لينزلوا على ما يشترطون قبل أن يشرعوا في الحصار والمجانيق التي قد استدعي بها من صفد وبعلبك ، وأحضر من رجال النقاعين نحو من ستة آلاف رام فلما اجتمع به القضاة ومن معهم وأخبروه عن السلطان وأعيان الأمراء بأنهم قد كتبوا له أمانا إن أناب إلى المصالحة ، فطلب أن يكون بأهله ببيت المقدس ، وطلب أن يعطى منجك كذا بناحية بلاد سيس ليسترزق هنالك ، وطلب أستدمر أن يكون بشمقدارا ( 2 ) للأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي فرجع القضاة إلى السلطان ومعهم الأمير زين الدين جبريل الحاجب كان ، فأخبروا السلطان والأمراء بذلك ، فأجيبوا إليه ، وخلع السلطان والأمراء على جبريل خلعا ، فرجع في خدمة القضاة ومعهم الأمير استبغا بن الايو بكري ، فدخلوا القلعة وباتوا هنالك كلهم ، وانتقل
--> ( 1 ) في السلوك 3 / 67 : صبيحة يوم الاثنين العشرين من رمضان . ( 2 ) البشمقدار أو البجمقدار : هو الذي يحمل نعل السلطان أو الأمير ، ويتركب هذا الاسم من لفظين أحدهما من اللغة التركية وهو بشمق ومعناه النعل ، والثاني من اللغة الفارسية وهو دار ومعناه ممسك ، فيكون معناه مسك النعل أو حامل النعل ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص 65 ) .