ابن كثير

306

البداية والنهاية

الرحبة ، وله من العمر ست وستون سنة ، وكان مدة مقامه بالقدس مدرسا بالمدرسة الصلاحية وشيخا بدار الحديث السكرية ثلاثين سنة ، وقد صنف وألف وجمع وخرج ، وكانت له يد طولى بمعرفة العالي والنازل ، وتخريج الاجزاء والفوائد ، وله مشاركة قوية في الفقه واللغة والعربية والأدب وفي كتابته ضعف لكن مع صحة وضبط لما يشكل ، وله عدة مصنفات ، وبلغني أنه وقفها على الخانقاه السمساطية بدمشق ، وقد ولى بعده التدريس بالصرخصية الخطيب برهان الدين بن جماعة والنظر بها ، وكان معه تفويض منه متقدم التاريخ . وفي يوم الخميس السادس من محرم احتيط على متولي البر ابن بهادر الشيرجي ورسم عليه بالعذراوية بسبب أنه اتهم بأخذ مطلب من نعمان البلقاء هو وكحلن الحاجب ، وقاضي حسان ، والظاهر أن هذه مرافعة من خصم عدو لهم ، وأنه لم يكن من هذا شئ والله أعلم . ثم ظهر على رجل يزور المراسيم الشريفة وأخذ بسببه مدرس الصارمية لأنه كان عنده في المدرسة المذكرة ، وضرب بين يدي ملك الأمراء ، وكذلك على الشيخ زين الدين زيد المغربي الشافعي ، وذكر عنه أنه يطلب مرسوما لمدرسة الأكرية ، وضرب أيضا ورسم عليه في حبس السد ، وكذلك حبس الأمير شهاب الدين الذي كان متولي البلد ، لأنه كان قد كتب له مرسوما شريفا بالولاية ، فلما فهم ذلك كاتب السر أطلع عليه نائب السلطنة فانفتح عليه الباب وحبسوا كلهم بالسد ، وجاءت كتب ؟ الحجاج ليلة السبت الخامس عشر من المحرم وأخبرت بالخصب والرخص والامن ولله الحمد والمنة . ودخل المحمل بعد المغرب ليلة السبت الحادي والعشرين منه ، ثم دخل الحجيج بعده في الطين والرمض ( 1 ) وقد لقوا من ذلك من بلاد حوران عناء وشدة ، ووقعت جمالات كثيرة وسبيت نساء كثيرة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وحصل للناس تعب شديد . ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين قطعت يد الذي زور المراسيم واسمه السراج عمر القفطي المصري ، وهو شاب كاتب مطيق على ما ذكر ، وحمل في قفص على جمل وهو مقطوع اليد ، ولم يحسم بعد والدم ينصب منها ، وأركب معه الشيخ زين الدين زيد على جمل وهو منكوس وجهه إلى ناحية دبر الجمل ، وهو عريان مكشوف الرأس ، وكذلك البدر الخصمي على جمل آخر ، وأركب الوالي شهاب الدين على جمل آخر وعلى تخفيفة صغيرة ، وخف وقباء ، وطيف بهم في محال البلد ، ونودي عليهم : هذا جزاء من يزور على السلطان ، ثم أودعوا حبس الباب الصغير وكانوا قبل هذا التعزير في حبس السد ، ومنه أخذوا وأشهروا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون انتهى .

--> ( 1 ) الرمض : الرمض شدة الحر ، والرمض . حر الحجارة من شدة الشمس . والرمضي من السحاب والمطر ما كان في آخر القيظ وأول الخريف ، وسمي المطر رمضيا لأنه يدرك سخونة الشمس وحرها . والرمض : المطر يأتي قبل الخريف فيجد الأرض حارة محترقة ( لسان العرب ) .