ابن كثير
291
البداية والنهاية
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة صلي على الأمير سيف الدين براق أمير أرجو بجامع تنكز ، ودفن بمقابر الصوفية ، وكان مشكور السيرة كثير الصلاة والصدقة محبا للخير وأهله ، من أكابر أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى . وقد رسم لولديه ناصر الدين محمد وسيف الدين أبي بكر كل منهما بعشرة أرماح ، ولناصر الدين بمكان أبيه في الوظيفة بإصطبل السلطان . وفي يوم الخميس رابع شهر جمادى الأولى خلع على الأميرين الأخوين ناصر الدين محمد وسيف الدين أبي بكر ولدي الأمير سيف الدين براق رحمه الله تعالى ، بأميرين عشرتين ( 1 ) . ووقع في هذا الشهر نزاع بين الحنابلة في مسألة المناقلة ، وكان ابن قاضي الجبل الحنبلي يحكم بالمناقلة في قرار دار الأمير سيف الدين طيدمر الإسماعيلي حاجب الحجاب إلى أرض أخرى يجعلها وقفا على ما كانت قرار داره عليه ، ففعل ذلك بطريقه ونفذه القضاة الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي ، فغضب القاضي الحنبلي وهو قاضي القضاة جمال الدين المرداوي المقدسي من ذلك ، وعقد بسبب ذلك مجالس ، وتطاول الكلام فيه ، وادعى كثير منهم أن مذهب الإمام أحمد في المناقلة إنما هو في حال الضرورة ، وحيث لا يمكن الانتفاع بالموقوف ، فأما المناقلة لمجرد المصلحة والمنفعة الراجحة فلا ، وامتنعوا من قبول ما قرره الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك ، ونقله عن الإمام أحمد من وجوه كثيرة من طريق ابنيه صالح وحرب وأبي داود وغيرهم ، أنها تجوز للمصلحة الراجحة ، وصنف في ذلك مسألة مفردة وقفت عليها - يعني الشيخ عماد الدين بن كثير - فرأيتها في غاية الحسن والإفادة ، بحيث لا يتخالج من اطلع عليها ممن يذوق طعم الفقه أنها مذهب الإمام أحمد رحمه الله ، فقد احتج أحمد في ذلك في رواية ابنه صالح بما رواه عن يزيد بن عوف ، عن المسعودي ، عن القاسم بن محمد : أن عمر كتب إلى ابن مسعود أن يحول المسجد الجامع بالكوفة إلى موضع سوق التمارين ، ويجعل السوق في مكان المسجد الجامع العتيق ، ففعل ذلك ، فهذا فيه أوضح دلالة على ما استدل به فيها من النقل بمجرد المصلحة فإنه لا ضرورة إلى جعل المسجد العتيق سوقا ، على أن الاسناد فيه انقطاع بين القاسم وبين عمر وبين القاسم وابن مسعود ، ولكن قد جزم به صاحب المذهب ، واحتج به ، وهو ظاهر واضح في ذلك ، فعقد المجلس في يوم الاثنين الثامن والعشرين من الشهر . وفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى وقع حريق عظيم ظاهر باب الفرج احترق فيه بسببه قياسير كثيرة لطاز ويلبغا ، وقيسرية الطواشي لبنت تنكز ، وأخر كثيرة ودور
--> ( 1 ) أمير عشرة وتأتي مرتبته بعد أمير الأربعين ، ومن هذه الطبقة صغار الولاة ، ونحوه مثل والي الفسطاط وشاد الدواوين ووالي القرافة . . ثم تأتي مرتبة أمراء الخمسات ( صبح الأعشى 4 / 28 - 50 - 63 ) وقال ابن شاهين في زبدة الممالك ص 113 : وأمراء العشروات فكانت عدتهم قديما خمسين أميرا بخدمته كل واحد منهم عشرة مماليك .