ابن كثير

282

البداية والنهاية

حميدا ، جعله الله مباركا على المسلمين . فنزل بالقلعة المنصورة ، وقد قدم معه الخليفة المعتضد أبو الفتح بن أبي بكر المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد ، وكان راكبا إلى جانبه من ناحية اليسار ، ونزل بالمدرسة الدماغية في أواخر هذا اليوم سائر الأمراء مع نائب الشام ، ومقدمهم طاز وشيخون في طلب بيبغا ومن معه من البغاة المفسدين . وفي يوم الجمعة ثانيه حضر السلطان أيده الله إلى الجامع الأموي وصلى فيه الجمعة بالمشهد الذي يصلي فيه نواب السلطان أيده الله ، فكثر الدعاء والمحبة له ذاهبا وآيبا تقبل الله منه ، وكذلك فعل الجمعة الأخرى وهي تاسع الشهر . وفي يوم السبت عاشره اجتمعنا يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف رحمه الله - بالخليفة المعتضد بالله أبي الفتح بن أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد ، وسلمنا عليه وهو نازل بالمدرسة الدماغية ، داخل باب الفرج وقرأت عنده جزءا فيه ما رواه أحمد بن حنبل عن محمد بن إدريس الشافعي في مسنده ، وذلك عن الشيخ عز الدين بن الضياء الحموي بسماعه من ابن البخاري ، وزينب بنت مكي عن أحمد بن الحصين عن ابن المذهب عن أبي بكر بن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه فذكرهما ، والمقصود أنه شاب حسن الشكل مليح الكلام متواضع جيد الفهم حلو العبارة رحم الله سلفه . وفي رابع عشره قدم البريد من بلاد حلب بسيوف الأمراء الممسوكين من أصحاب بيبغا . وفي يوم الخميس خامس عشره نزل السلطان الملك الصالح من الطارمة ( 1 ) إلى القصر الأبلق في أبهة المملكة ، ولم يحضر يوم الجمعة إلى الصلاة ، بل اقتصر على الصلاة بالقصر المذكور . وفي يوم الجمعة باكر النهار دخل الأمير سيف الدين شيخون وطار بمن معهما من العساكر من بلاد حلب ، وقد فات تدارك بيبغا وأصحابه لدخولهم بلاد زلغادر ( 2 ) التركماني بمن بقي معهم ، وهم القليل ، وقد أسر جماعة من الأمراء الذين كانوا معه ، وهم في القيود والسلاسل صحبة الأميرين المذكورين ، فدخلا على السلطان وهو بالقصر الأبلق فسلما عليه وقبلا الأرض وهنآه بالعيد ، ونزل طاز بدار أيتمش بالشرق الشمالي ، ونزل شيخون بدار إياس الحاجب بالقرب من الظاهرية البرانية ، ونزل بقية الجيش في أرجاء البلد ، وأما الأمير سيف الدين أرغون فأقام بحلب نائبا عن سؤاله إلى ما ذكر ، وخوطب في تقليده بألقاب هائلة ، ولبس خلعة سنية ، وعظم تعظيما زائدا ، ليكون هناك إلبا على بيبغا وأصحابه لشدة ما بينهما من العداوة . ثم صلى السلطان بمن معه من المصريين ومن انضاف إليهم من الشاميين صلاة عيد الفطر بالميدان الأخضر ، وخطب بهم القاضي

--> ( 1 ) الطارمة بيت من خشب يكون سقفه على هيئة قبة ، لجلوس السلطان ( السلوك 1 / 775 حاشية 4 ) . ( 2 ) في السلوك 2 / 874 : قراجا بن دلغادر ، وفي بدائع الزهور 1 / 542 : هرب بيبغا إلى ملطية