ابن كثير
278
البداية والنهاية
فاحترق به دكان القفاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها ، واتسع اتساعا فظيعا ، واتصل الحريق بالباب الأصفر من النحاس ، فبادر ديوان الجامع إليه فكشطوا ما عليه من النحاس ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل ، بمقصورة الحلبية ، بمشهد علي ، ثم عدوا عليه يكسرون خشبه بالفؤوس الحداد ، والسواعد الشداد ، وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكون من القوة والثبات ، وتأسف الناس عليه لكونه كان من محاسن البلد ومعالمه . وله في الوجود ما ينيف عن أربعة آلاف سنة . انتهى والله أعلم . ترجمة باب جيرون المشهور بدمشق الذي كان هلاكه وذهابه وكسره في هذه السنة ، وهو باب سر في جامع دمشق لم ير باب أوسع ولا أعلى منه ، فيما يعرف من الأبنية في الدنيا ، وله علمان من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضا بارزة ، من عجائب الدنيا ، ومحاسن دمشق ومعالمها ، وقد تم بناؤها . وقد ذكرته العرب في أشعارها والناس وهو منسوب إلى ملك يقال له جيرون بن سعد بن عاد بن عوص ( 1 ) بن إرم بن سام بن نوح ، وهو الذي بناه ، وكان بناؤه له قبل الخليل عليه السلام ، بل قبل ثمود وهود أيضا ، على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه وغيره ، وكان فوقه حصن عظيم ، وقصر منيف ، ويقال بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان عليه السلام ، وكان اسم ذلك المارد جيرون ، والأول أظهر وأشهر ، فعلى الأول يكون لهذا الباب من المدد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة ، ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسه بل بالأيدي العادية عليه ، بسبب ما ناله من شوط حريق اتصل إليه حريق وقع من جانبه في صبيحة ليلة الاثنين السادس عشر من صفر ، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فتبادر ديوان الجامعية ففرقوا شمله وقضوا ثمله ، وعروا جلده النحاس عن بدنه الذي هو من خشب الصنوبر ، الذي كأن الصانع قد فرغ منه يومئذ ، وقد شاهدت الفؤوس تعمل فيه ولا تكاد تحيل فيه إلا بمشقة ، فسبحان الذي خلق الذين بنوه أولا ، ثم قدر أهل هذا الزمان على أن هدموه بعد هذه المدد المتطاولة ، والأمم المتداولة ، ولكن لكل أجل كتاب ، ولا إله إلا رب العباد . بيان تقدم مدة هذا الباب وزيادتها على مدة أربعة آلا ف سنة بل الخمسة ذكر الحافظ ابن عساكر في أول تاريخه : باب بناء دمشق بسنده عن القاضي يحيى بن حمزة التبلهي الحاكم بها في الزمن المتقدم ، وقد كان هذا القاضي من تلاميذ ابن عمر والأوزاعي ، قال : لما فتح عبد الله بن علي دمشق بعد حصارها - يعني وانتزعها من أيدي بني أمية وسلبهم
--> ( 1 ) سقط في معجم البلدان . في ذكره عامود نسبه ( دمشق ) .