ابن كثير

274

البداية والنهاية

حج في هذه السنة فوقع بينه وبين صاحب مكة عجلان بسبب أنه أراد أن يولي عليها أخاه بعيثة ، فاشتكى عجلان ذلك إلى أمراء المصريين وكبيرهم إذ ذاك الأمير سيف الدين بزلار ومعهم طائفة كثيرة ، وقد أمسكوا أخاهم يلبغا ( 1 ) وقيدوه ، فقوي رأسه عليهم واستخف بهم ، فصبروا حتى قضى الحج وفرغ الناس من المناسك ، فلما كان يو النفر الأول يوم الخميس تواقفواهم وهو فقتل من الفريقين خلق كثير ، والأكثر من اليمنيين ، وكانت الوقعة قريبة من وادي محسر ، وبقي الحجيج خائفين أن تكون الدائرة على الأتراك فتنهب الاعراب أموالهم وربما قتلوهم ، ففرج الله ونصر الأتراك على أهل اليمن ولجأ الملك المجاهد إلى جبل فلم يعصمه من الأتراك ، بل أسروه ذليلا حقيرا ، وأخذوه مقيدا أسيرا ، وجاءت عوام الناس إلى اليمنيين فنهبوا شيئا كثيرا ، ولم يتركوا لهم جليلا ولا حقيرا ، ولا قليلا ولا كثيرا ، واحتاط الأمراء على حواصل الملك وأمواله وأمتعته وأثقاله ، وساروا بخيله وجماله ، وأدلوا على صنديد من رحله ورجاله ، واستحضروا معهم طفيلا الذي كان حاصر المدينة النبوية في العام الماضي وقيدوه أيضا ، وجعلوا الغل في عنقه ، واستاقوه كما يستاق الأسير في وثاقه مصحوبا بهمه وحتفه ، وانشمروا عن تلك البلاد إلى ديارهم راجعين ، وقد فعلوا فعلة تذكر بعدهم إلى حين . ودخل الركب الشامي إلى دمشق يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من المحرم على العادة المستمرة والقاعدة المستقرة . وفي هذا اليوم قدمت البريدية من تلقاء مدينة صفد مخبرة بأن الأمير شهاب الدين أحمد ابن مشد الشرنجاتاه ، الذي كان قد تمرد بها وطغى وبغى حتى استحوز عليها وقطع سببها وقتل الفرسان والرجالة ، وملأها أطعمة وأسلحة ، ومماليكه ورجاله ، فعندما تحقق مسك يلبغا ( 1 ) أروش وخضعت تلك النفوس ، وخمدت ناره وسكن شراره وحار بثاره ، ووضح قراره ، وأناب إلى التوبة والاقلاع ، ورغب إلى السلامة والخلاص ، وخشع ولات حين مناص ، وأرسل سيفه إلى السلطان ، ثم توجه بنفسه على البريد إلى حضرة الملك الناصر والله المسؤول أن يحسن عليه وأن يقبل بقلبه إليه ( 2 ) . وفي يوم الأحد خامس صفر قدم من الديار المصرية الأمير سيف الدين أرغون الكاملي معادا إلى نيابة حلب ( 3 ) ، وفي صحبته الأمير سيف الدين طشبغا الدوادار بالديار المصرية ، وهو زوج ابنة نائب الشام ، فتلقاه نائب الشام وأعيان الأمراء ، ونزل طشبغا الدوادار عند زوجته بدار منجى في محلة مسجد القصب التي كانت تعرف بدار حنين بن حندر ، وقد جددت في السنة الماضية ، وتوجها في الليلة الثانية من قدومها إلى حلب . وفي يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول اجتمع

--> ( 1 ) في السلوك وبدائع الزهور . بيبغا . ( 2 ) انظر حاشية 3 صفحة 271 . ( 3 ) وكان قد وصل إلى الديار المصرية يوم الجمعة خامس المحرم سنة 752 .