ابن كثير
270
البداية والنهاية
يقال لها الطيبانية إلى جانب أم الصالح مقتولا مذبوحا ، وقد أخذت من عنده أموال من المدرسة المذكورة ولم يطلع على فاعل ذلك ، وكان البواب رجلا صالحا مشكورا رحمه الله . ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية وفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبنا الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد ين أبي بكر بن أيوب الزرعي ، إمام الجوزية ، وابن قيمها ، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الأموي ، ودفن عند والدته بمقابر الباب الصغير رحمه الله . ولد في سنة إحدى وتسعين وستمائة وسمع الحديث واشتغل بالعلم ، وبرع في العلوم المتعددة ، لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين ، ولما عاد الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ فأخذ عنه علما جما ، مع ما سلف له من الاشتغال ، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة ، مع كثرة الطلب ليلا ونهارا ، وكثرة الابتهال . وكان حسن القراءة والخلق ، كثير التودد لا يحسد أحدا ولا يؤذيه ، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد ، وكنت من أصحب الناس له وأحب إليه ، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه ، وكانت له طريقة في الصلاة يطليها جدا ويمد ركوعها وسجودها ، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان ، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك رحمه الله ، وله من التصانيف الكبار والصغار شئ كثير ، وكتب بخطه الحسن شيئا كثيرا ، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشرة من كتب السلف والخلف ، وبالجملة كان قليل النصير في مجموعه وأموره وأحواله ، والغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة ، سامحه الله ورحمه ، وقد كان متصديا للافتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وجرت بسببها فصول يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره ، وقد كانت جنازته حافلة رحمه الله ، شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة ، وتزاحم الناس على حمل نعشه ، وكمل له من العمر ستون سنة رحمه الله . وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية عوضا عن أبيه رحمه الله فأفاد وأجاد ، وسرد طرفا صالحا في فضل العلم وأهله ، انتهى والله تعالى أعلم . ومن العجائب والغرائب التي لم يتفق مثلها ولم يقع من نحو مائتي سنة وأكثر ، أنه بطل الوقيد بجامع دمشق في ليلة النصف من شعبان ، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد والمنة . وفرح أهل العلم بذلك ، وأهل الديانة ، وشكر الله تعالى على تبطيل هذه البدعة الشنعاء ، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد ، والاستيجار بالجامع الأموي ، وكان ذلك بمرسوم السلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون خلد الله ملكه ،