ابن كثير

267

البداية والنهاية

نائب الغيبة ، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا ، ولله الحمد والمنة فلما كان يوم الاثنين الثامن عشر منه خرجا من القلعة إلى سوق الخيل فوسطا بحضرة الجيش ، وعلقت جثتهما على الخشب ( 1 ) ليراهما الناس ، فمكثا أياما ثم أنزلا فدفنا بمقابر المسلمين . وفي أوائل شهر جمادى الآخرة جاء الخبر بموت نائب حلب سيف الدين قطلبشاه ففرح كثير من الناس بموته وذلك لسوء أعماله في مدينة حماة في زمن الطاعون ، وذكر أنه كان يحتاط على التركة وإن كان فيها ولد ذكر أو غيره ، ويأخذ من أموال الناس جهرة ، حتى حصل له منها شئ كثير ، ثم نقل إلى حلب بعد نائبها الأمير سيف الدين أرقطيه الذي كان عين لنيابة دمشق بعد موت أرغون شاه ، وخرج الناس لتلقيه فما هو إلا أن برز منزلة واحدة من حلب فمات بتلك المنزلة ( 2 ) ، فلما صار قطلبشاه إلى حلب لم يقم بها إلا يسيرا حتى مات ، ولم ينتفع بتلك الأموال التي جمعها لا في دنياه ولا في أخراه . ولما كان يوم الخميس الحادي عشر من جمادى الآخرة دخل الأمير سيف الدين أيتمش الناصري من الديار المصرية إلى دمشق نائبا عليها ، وبين يديه الجيش على العادة ، فقبل العتبة ولبس الحياصة ( 3 ) والسيف ، وأعطي تقليده ومنشوره هنالك ، ثم وقف في الموكب على عادة النواب ، ورجع إلى دار السعادة وحكم ، وفرح الناس به ، وهو حسن الشكل تام الخلقة ، وكان الشام بلا نائب مستقل قريبا من شهرين ونصف . وفي يوم دخوله حبس أربعة أمراء من الطبلخانات ، وهم القاسمي وأولاد آل أبو بكر اعتقلهم في القلعة لممالاتهم ألجي بغا المظفري ، على أرغون شاه نائب الشام . وفي يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة حكم القاضي نجم الدين بن القاضي عماد الدين الطرسوسي الحنفي ، وذلك بتوقيع سلطاني وخلعة من الديار المصرية . وفي يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي وبين الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية ، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب ، في بستان قاضي القضاة ، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق . وفي يوم الجمعة السادس والعشرين منه نقلت جثة الأمير سيف الدين أرغون شاه من مقابر الصوفية إلى تربة التي أنشأها تحت الطارمة ، وشرع في تكميل التربة والمسجد الذي قبلها ، وذلك

--> ( 1 ) في السلوك 2 / 803 : يوم الخميس حادي عشري ربيع الآخر . ( 2 ) وكان ذلك يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى ، عن نحو ثمانين سنة . ( 3 ) الحياصة : ويعبر عنها بالمنطقة ، ويقال فيها : الحواصة : وهو ما يشد في الوسط وهي من الآلات القديمة ، يلبسها الملك الأمراء عند إلباسهم الخلع والتشاريف ، وتختلف بحسب اختلاف الرتب فمنها ما يكون من ذهب مرصع بالفصوص ، ومنها ما ليس كذلك ( صبح الأعشى 2 / 134 ) .