ابن كثير
257
البداية والنهاية
والظاهر أن ذلك خديعة له ، فأظهر الامتناع ، أنه لا يذهب إلى الديار المصرية أبدا ، وقال : إن كان السلطان قد استكثر علي ولاية دمشق فيوليني أي البلاد شاء ، فأنا راض بها . ورد الجواب بذلك ، ولما أصبح من الغد وهو يوم الخميس وهو خامس عشره ، ركب فخيم قريبا من الجسورة في الموضع الذي خيم فيه عام الأول ، وفي الشهر أيضا كما تقدم ، فبات ليلة الجمعة وأمر الأمراء بنصب الخيام هنالك على عادتهم عام أول . فلما كان يوم الجمعة سادس عشره بعد الصلاة ما شعر الناس إلا والأمراء قد اجتمعوا تحت القلعة وأحضروا من القلعة سنجقين سلطانيين أصفرين ، ضربوا الطبول حربيا ، فاجتمعوا كلهم تحت السنجق السلطاني ، ولم يتأخر منهم سوى النائب وذويه كإبنيه وإخوته وحاشيته ، والأمير سيف الدين قلاوون أحد مقدمي الألوف وخبره أكبر أخبار الأمراء بعد النيابة ، فبعث إليه الأمراء أن هلم إلى السمع والطاعة للسلطان ، فامتنع من ذلك وتكررت الرسل بينهم وبينه فلم يقبل ، فساروا إليه في الطبل خانات والبوقات ملبسين لامة الحرب ، فلما انتهوا إليه وجدوه قد ركب خيوله ملبسا واستعد للهرب ، فلما واجههم هرب هو ومن معه وفروا فرار رجل واحد ، وساق الجند وراءه فلم يكتنفوا له غبارا ، وأقبل العامة وتركمان القبيبات ، فانتهبوا ما بقي في معسكره من الشعير والأغنام والخيام ، حتى جعلوا يقطعون الخيام والاطناب قطعا قطعا ، فعدم له ولأصحابه من الأمتعة ما يساوي ألف ألف درهم ، وانتدب لطلبه والمسير وراءه الحاجب الكبير الذي قدم من الديار المصرية قريبا شهاب الدين بن صبح ، أحد مقدمي الألوف ، فسار على طريق الأشرفية ثم عدل إلى ناحية القريتين . ولما كان يوم الأحد قدم الأمير فخر الدين إياس صفد فيها فتلقاه الأمراء والمقدمون ، ثم جاء فنزل القصر وركب من آخر النهار في الجحافل ، ولم يترك أحدا من الجند بدمشق إلا ركب معه وساق وراءه يلبغا فانبرا نحو البرية ، فجعلت الاعراب يعترضونه من كل جانب ، وما زالوا يكفونه حتى سار نحو حماة ، فخرج نائبها وقد ضعف أمره جدا ، وكل هو ومن معه من كثرة السوق ومصاولة الأعداء من كل جانب ، فألقي بيده وأخذ سيفه وسيوف من معه واعتقلوا بحماة ، وبعث بالسيوف إلى الديار المصرية ، وجاء الخبر إلى دمشق صبيحة يوم الأربعاء رابع عشر هذا الشهر ، فضربت البشائر بالقلعة وعلى باب الميادين على العادة ، وأحدقت العساكر بحماة من كل جانب ينتظرون ما رسم به السلطان من شأنه ، وقام إياس بجيش دمشق على حمص ، وكذلك جيش طرابلس ، ثم دخلت العساكر راجعة إلى دمشق يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر ، وقدم يلبغا وهو مقيد على كديش هو وأبوه وحوله الأمراء الموكلون به ومن معه من الجنود ، فدخلوا به بعد عشاء الآخرة فاجتازوا به فم السبعة بعد ما غلقت الأسواق ، وطفئت السرج ، وغلقت الطاقات ، ثم مروا على الشيخ رسلان والباب الشرقي على باب الصغير ، ثم من عند مسجد الديان على المصلى ، واستمروا ذاهبين نحو الديار المصرية ، وتواترت البريدية من السلطان بما رسم به في أمره