ابن كثير
254
البداية والنهاية
ونابذوا السلطان الكامل ، وعدوا عليه مساويه ، وقتل بعض الأمراء ، وفر الكامل وأنصاره فاختيط عليه . وخرج أرغون العلائي زوج ابنته واستظهر أيضا أمير حاجي فأجلسوه على السرير ولقبوه بالملك المظفر ( 1 ) ، وجاءت الاخبار إلى النائب بذلك ، فضربت البشائر عنده ، وبعث إلى نائب القلعة فامتنع من ضربها ، وكان قد طلب إلى الوطاق فامتنع من الحضور ، وأغلق باب القلعة ، فانزعج الناس واختبط البلد ، وتقلص وجود الخير ، وحصنت القلعة ودعوا للكامل بكرة وعشية على العادة ، وأرجف العامة بالجيش على عادتهم في كثرة فصولهم ، فحصل لبعضهم أذية . فلما كان يوم الاثنين ثامن الشهر قدم نائب حماة إلى دمشق مطيعا لنائب السلطنة في تجمل وأبهة ، ثم أجريت له عادة أمثاله . وفي هذا اليوم وقعت بطاقة بقدوم الأمير سيف الدين بيغرا حاجب الحجاب بالديار المصرية لأجل البيعة للسلطان الملك المظفر ، فدقت البشائر بالوطاق ، وأمر بتزيين البلد ، فزين الناس وليسوا منشرحين ، وأكثرهم يظن أن هذا مكر وخديعة ، وأن التجاريد المصرية واصلة قريبا . وامتنع نائب القلعة من دق البشائر وبالغ في تحصين القلعة ، وغلق بابها ، فلا يفتح إلا الخوخة البرانية والجوانية ، وهذا الصنيع هو الذي يشوش خواطر العامة ، يقولون : لو كان ثم شئ له صحة كان نائب القلعة يطلع على هذا قبل الوطاق . فلما كان يوم الثلاثاء بعد الزوال قدم الأمير سيف الدين بيغرا إلى الوطاق ، وقد تلقوه وعظموه ، ومعه تقليد النيابة من المظفر إلى الأمير سيف الدين يلبغا نائب السلطنة ، وكتاب إلى الأمراء بالسلام . ففرحوا بذلك وبايعوه وانضمت الكلمة ولله الحمد . وركب بيغرا إلى القلعة فترجل وسل سيفه ودخل إلى نائب القلعة فبايعه سريعا ودقت البشائر في القلعة بعد المغرب ، حين بلغه الخبر ، وطابت أنفس الناس ثم أصبحت القلعة في الزينة وزادت الزينة في البلد وفرح الناس ، فلما كان يوم الخميس حادي عشر الشهر دخل نائب السلطنة من الوطاق إلى البلد والأطلاب بين يديه في تجمل وطبل خانات على عادة العرض ، وقد خرج أهل البلد إلى الفرجة ، وخرج أهل الذمة بالتوراة ، وأشعلت الشموع ، وكان يوما مشهودا . وقد صلى في شهر رمضان من هذه السنة بالشامية البرانية صبي عمره ست سنين ، وقد رأيته وامتحنته فإذا هو يجيد الحفظ والأداء ، وهذا من أغرب ما يكون . وفي العشر الأول من هذا الشهر فرغ من بناء الحمامين الذي بناهما نائب السلطنة بالقرب من الثابتية في خان السلطان العتيق ، وما حولها من الرباع والقرب وغير ذلك . وفي يوم الأحد حادي عشره اجتمع نائب السلطنة والقضاة الأربعة ووكيل بيت المال والدولة عند تل المستقين ، من أجل أن نائب السلطنة قد عزم على بناء
--> ( 1 ) وذلك يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة ، وله من العمر خمس عشرة سنة ( السلوك 2 / 714 ) .