ابن كثير

249

البداية والنهاية

المصلى ، ولا خرج نائب السلطنة ، بل اجتمع الأمراء والقضاة بدار السعادة ، وحضر الخطيب فصلى بهم العيد بها ، وكثير من الناس صلوا العيد في البيوت . وفي يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي الحجة درس قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي بالشامية البرانية عن الشيخ شمس الدين بن النقيب رحمه الله ، وحضر عنده القضاة والأعيان والأمراء وخلق من الفضلاء ، وأخذ في قوله تعالى ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) [ ص : 35 ] وما بعدها . وفي ذي الحجة استفتي في قتل كلاب البلد فكتب جماعة من أهل البلد في ذلك ، فرسم بإخراجهم يوم الجمعة من البلد الخامس والعشرين منه ، لكن إلى الخندق ظاهر باب الصغير ، وكان الأولى قتلهم بالكلية وإحراقهم لئلا تنتن بريحهم على ما أفتى به الامام مالك بن أنس من جواز قتل الكلاب ببلدة معينة للمصلحة ، إذا رأى الامام ذلك ، ولا يعارض ذلك النهي عن قتل الكلاب ، ولهذا كان عثمان بن عفان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام . ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين بالديار المصرية والشامية والحرمين والبلاد الحلبية وأعمال ذلك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور ، وقضاته بالديار المصرية والشامية هم المذكورون أيضا . وفي يوم الجمعة سادس عشر محرم كملت عمارة الجامع الذي بالمزة الفوقانية الذي جدده وأنشأه الأمير بهاء الدين المرجاني ، الذي بنى والده مسجد الخيف بمنى وهو جامع حسن متسع فيه روح وانشراح ، تقبل الله من بانيه ، وعقدت فيه الجمعة بجمع كثير وجم غفير من أهل المزة ، ومن حضر من أهل البلد ، وكنت أنا الخطيب - يعني الشيخ عماد الدين المصنف تغمده الله برحمته - ولله الحمد والمنة . ووقع كلام وبحث في اشتراط المحلل في المسابقة ، وكان سببه أن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية صنف فيه مصنفا من قبل ذلك ، ونصر فيه ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك ، ثم صار يفتي به جماعة من الترك ولا يعزروه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية ، فاعتقد من اعتقد أنه قوله وهو مخالف للأئمة الأربعة ، فحصل عليه إنكار في ذلك ، وطلبه القاضي الشافعي ، وحصل كلام في ذلك ، وانفصل الحال على أن أظهر الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية الموافقة للجمهور . وفاة الملك الصالح إسماعيل في يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر ( 1 ) من هذه السنة أظهر موت السلطان الملك الصالح

--> ( 1 ) كذا بالأصل ، وفي الدليل الشافعي 1 / 129 والمنهل الصافي 2 / 426 : مات في العشرين من ربيع الأول سنة 746 ه‍ . وفي السلوك 2 / 677 والنجوم الزاهرة 10 / 95 : توفي ليلة الخميس رابع ربيع الآخر ، وفي بدائع الزهور 1 / 504 : " في الحادي والعشرين من ربيع الآخر " .