ابن كثير
238
البداية والنهاية
آخرون فاعتقلوا بالكرك ، وجرت أمور منكرة ، ثم بعدها تعرض العسكر راجعين إلى بلادهم لم ينالوا مرادهم منها ، وذلك أنهم رقهم البرد الشديد وقلة الزاد ، وحاصروا أولئك شديدا بلا فائدة فإن البلد بريد متطاولة ومجانيق ، ويشق على الجيش الإقامة هناك في كوانين ، والمنجنيق الذي حملوه معهم كسر ، فرجعوا ليتأهبوا لذلك . ولما كان في يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه قدم من الديار المصرية على البريد القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتبا على السر عوضا عن أخيه القاضي شهاب الدين ، ومعه كتاب بالاحتياط على حواصل أخيه شهاب الدين ، وعلى حواصل القاضي عماد الدين بن الشيرازي المحتسب ، فاحتيط على أموالها وأخرج من في ديارهما من الحرم ، وضربت الأخشاب على الأبواب ، ورسم على المحتسب بالعذراوية ، فسأل أن يحول إلى دار الحديث الأشرفية فحول إليها . وأما القاضي شهاب الدين ، فكان قد خرج ليلتقي الأمير سيف الدين تغردمر الحموي ، الذي جاء تقليده بنيابة الشام بدمشق وكان بحلب ، وجاء هذا الامر وهو في أثناء الطريق ، فرسم برجعته ليصادر هو والمحتسب ، ولم يدر الناس ما ذنبهما . وفي يوم الأحد ثامن شهر رجب آخر النهار رجع قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى دمشق على القضاء ، ومعه تقليد بالخطابة أيضا ، وذهب الناس إليه للسلام عليه ، ودخل نائب السلطنة الأمير سيف الدين تغردمر الحموي بعد العصر الخامس عشرينه من حلب ، فتلقاه الأمراء إلى طريق القابون ، ودعا له الناس دعاء كثيرا ، وأحبوه لبغضهم النائب الذي كان قبله ، وهو علاء الدين أيدغمش سامحه الله تعالى ، فنزل بدار السعادة وحضر الموكب صبيحة يوم الاثنين ، واجتمع طائفة من العامة وسألوه أن لا يغير عليهم خطيبهم تاج الدين عبد الرحيم بن جلال الدين ، فلم يلتفت إليهم ، بل عمل على تقليد القاضي تقي الدين السبكي الخطابة ولبس الخلعة ، وأكثر العوام لما سمعوا بذلك الغوغاء ، وصاروا يجتمعون حلقا حلقا بعد الصلوات ويكثرون الفرحة في ذلك ، لما منع ابن الجلال ، ولكن بقي هذا لم يباشر السبكي في المحراب ، واشتهر عن العوام كلام كثير ، وتوعدوا السبكي بالسفاهة عليه إن خطب ، وضاق بذلك ذرعا ، ونهوا عن ذلك فلم ينتهوا ، وقيل لهم ولكثير منهم : الواجب عليكم السمع والطاعة لأولي الامر ، ولو أمر عليكم عبد حبشي . فلم يرعوا ، فلما كان يوم الجمعة العشرين منه اشتهر بين العامة بأن القاضي نزل عن الخطابة لابن الجلال ، ففرح العوام بذلك وحشدوا في الجامع ، وجاء نائب السلطنة إلى المقصورة والأمراء معه ، وخطب ابن الجلال على العادة ، وفرح الناس بذلك وأكثروا من الكلام والهرج ، ولما سلم عليهم الخطيب حين صعد ردوا عليه ردا بليغا ، وتكلفوا في ذلك