ابن كثير

234

البداية والنهاية

الديار المصرية هم المذكورون في السنة الماضية ، سوى القاضي الحنفي . وأما دمشق فليس لها نائب إلى حينئذ غير أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب كان استنابه الفخري بدمشق نائب غيبته ، فهو الذي يسد الأمور مع الحاجب ألمش ، وتمر المهمندار ، والأمير سيف الدين الملقب بحلاوة ، والي البر ، والأمير ناصر الدين بن ركباس متولي البلد ، هؤلاء الذي يسدون الاشغال والأمور السلطانية ، والقضاة هم الذين ذكرناهم في السنة الخالية ، وخطيب البلد تاج الدين عبد الرحيم بن القاضي جلال الدين القزويني ، وكاتب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله . واستهلت هذه السنة والأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي نازل بقصر تنكز بطريق داريا ، وكتب السلطان واردة في كل وقت بالاحتياط عليه والقبض ، وأن يمسك ويرسل إلى الكرك ، هذا والأمراء يتوانون في أمره ويسوفون المراسيم ، وقتا بعد وقت ، وحينا بعد حين ، ويحملهم على ذلك أن الأحمدي لا ذنب له ، ومتى مسكه تطرف إلى غيره ، مع أن السلطان يبلغهم عنه أحوال لا نرضيهم من اللعب والاجتماع مع الأراذل والأطراف ببلد الكرك ، مع قتله الفخري وطشتمر قتلا فظيعا ، وسلبه أهلهما وسلبه لما على الحريم من الثياب والحلي ، وإخراجهم في أسوأ حال من الكرك ، وتقريبه النصارى وحضورهم عنده . فحمل الأمراء هذه الصفات على أن بعثوا أحدهم يكشف أمره ، فلم يصل إليه ، ورجع هاربا خائفا ، فلما رجع وأخبر الأمراء انزعجوا وتشوشوا كثيرا ، واجتمعوا بسوق الخيل مرارا وضربوا مشورة بينهم ، فاتفقوا على أن يخلعوه ، فكتبوا إلى المصريين بذلك ، وأعلموا نائب حلب أيدغمش ونواب البلاد ، وبقوا متوهمين من هذا الحال كثيرا ومترددين ، ومنهم من يصانع في الظاهر وليس معهم في الباطن ، وقالوا لا سمع له ولا طاعة حتى يرجع إلى الديار المصرية ، ويجلس على سرير المملكة ، وجاء كتابه إليهم يعيبهم ويعنفهم في ذلك ، فلم يفد ، وركب الأحمدي في الموكب وركبوا عن يمينه وشماله وراحوا إليه إلى القصر ، فسلموا عليه وخدموه ، وتفاقم الامر وعظم الخطب ، وحملوا هموما عظيمة خوفا من أن يذهب إلى الديار المصرية فيلف عليه المصريون فيتلف الشاميين ، فحمل الناس همهم فالله هو المسؤول أن يحسن العاقبة . فلما كان يوم الأحد السادس والعشرين من المحرم ورد مقدم البريدية ومعه كتب المصريين بأنه لما بلغهم خبر الشاميين كان عندهم من أمر السلطان أضعاف ما حصل عند الشاميين ، فبادروا إلى ما كانوا عزموا عليه ، ولكن ترددوا خوفا من الشاميين أن يخالفوهم فيه ويتقدموا في صحبة السلطان لقتالهم ، فلما اطمأنوا من جهة الشاميين صمموا على عزمهم فخلعوا الناصر أحمد ( 1 ) وملكوا عليهم أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن المنصور ، جعله الله مباركا على المسلمين ، وأجلسوا على السرير يوم الثلاثاء ( 2 ) العشرين من المحرم المذكور ، وجاء

--> ( 1 ) وذلك يوم الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم كما في السلوك 2 / 618 والنجوم الزاهرة 10 / 70 وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 499 : يوم الخميس ثاني عشر شهر المحرم . ( 2 ) في السلوك 1 / 619 : يوم الخميس ثاني عشري المحرم .