ابن كثير
231
البداية والنهاية
وخرج الفخري لتلقيهم ، فاجتمعوا قبلي جامع القبيبات الكريمي ، ودخلوا كلهم إلى دمشق في جمع كثير من الأتراك الأمراء والجند ، وعليهم خمدة لعدم قدوم السلطان أيده الله . وفي يوم الأحد قدم البريد خلف قماري وغيره من الأمراء يطلبهم إلى الكرك ، واشتهر أن السلطان رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يأمره بالنزول من الكرك وقبول المملكة ، فانشرح الناس لذلك . وتوفي الشيخ عمر بن أبي بكر بن اليثمي البسطي يوم الأربعاء التاسع والعشرين ، وكان رجلا صالحا كثير التلاوة والصلاة والصدقة ، وحضور مجالس الذكر والحديث ، له همه وصولة على الفقراء المتشبهين بالصالحين وليسوا منهم ، سمع الحديث من الشيخ فخر الدين بن البخاري وغيره وقرأت عليه عن ابن البخاري مختصر المشيخة ، ولازم مجالس الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله ، وانتفع به ، ودفن بمقابر باب الصغير . وفي شهر رمضان المعظم أوله يوم الجمعة ، كان قد نودي في الجيش : آن الرحيل لملتقى السلطان في سابع الشهر ، ثم تأخر ذلك إلى بعد العشر ، ثم جاء كتاب من السلطان بتأخر ذلك إلى بعد العيد وقدم في عاشر الشهر علاء الدين بن تقي الحنفي ، ومعه ولاية من السلطان الناصر بنظر البيمارستان النوري ، ومشيخة الربوة ومرتب على الجهات السلطانية ، وكان قد قدم قبله القاضي شهاب الدين بن البارزي بقضاء حمص من السلطان أيده الله تعالى ، ففرح الناس بذلك حيث تكلم السلطان في المملكة وباشر وأمر وولى ووقع ولله الحمد . وفي يوم الأربعاء ثالث عشره دخل الأمير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الأخضر من البلاد الحلبية إلى دمشق المحروسة ، وتلقاه الفخري والأمراء والجيش بكماله ، ودخل في أبهة حسنة ودعا له الناس وفرحوا بقدومه بعد شتاته في البلاد وهربه من بين يدي الطنبغا حين قصده إلى حلب كما تقدم ذكره . وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت الجيوش من دمشق قاصدين إلى غزة لنظرة السلطان حين تخرج من الكرك السعيد ، فخرج يومئذ مقدمان : تغردمر واقبغا عبد الواحد فبرزا إلى الكسوة ، فلما كان يوم السبت خرج الفخري ومعه طشتمر وجمهور الأمراء ، ولم يقم بعده بدمشق إلا من احتيج لمقامهم لمهمات المملكة ، وخرج معه القضاة الأربعة ، وقاضي العساكر والموقعين والمصاحب وكاتب الجيش وخلق كثير . وتوفي الشيخ الصالح العباد الناسك أحمد بن . الملقب بالقصيدة ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان ، وصلي عليه بجامع شكر ، ودفن بالصوفية قريبا من قبر الشيخ جمال الدين المزي ، تغمدهما الله برحمته ، وكان فيه صلاح كثير ، ومواظبة على الصلاة في جماعة ، وأمر بمعروف ونهي عن منكر مشكورا عند الناس بالخير ، وكان يكثر من خدمة المرضى بالمارستان وغيره ، وفيها ايثار وقناعة وتزهد كثير ، وله أحوال مشهورة رحمه الله وإيانا .