ابن كثير

17

البداية والنهاية

ثم قدم دمشق عام قازان فمات بها ، وكان قد أقام بها مدة كذلك ، ودرس بالقليجية والدولعية ، وناب في الخطابة ودرس بالغزالية نيابة عن الشمس الايكي ، وكان قليل الكلام مجموعا عن الناس ، وهو والد الشمس محمد المنسوب إلى الزندقة والانحلال ، وله أتباع ينسبون إلى ما ينسب إليه ، ويعكفون على ما كان يعكف عليه ، وقد حدث جمال الدين المذكور بجامع الأصول عن بعض أصحاب مصنفات ابن الأثير ، وله نظم ونثر حسن ، والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبوية استهلت والخليفة والسلطان ونواب البلاد والحكام بها هم المذكورون في التي قبلها ، غير الشافعي والحنفي ، ولما كان ثالث المحرم جلس المستخرج لاستخلاص أجرة أربعة أشهر عن جميع أملاك الناس وأوقافهم بدمشق ، فهرب أكثر الناس من البلد ، وجرت خبطة قوية وشق ذلك على الناس جدا . وفي مستهل صفر وردت أخبار بقصد التتر بلاد الشام ، وأنهم عازمون على دخول مصر ، فانزعج الناس لذلك وازدادوا ضعفا على ضعفهم ، وطاشت عقولهم وألبابهم ، وشرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر والكرك والشوبك والحصون المنيعة ، فبلغت الحمارة إلى مصر خمسمائة وبيع الجمل بألف والحمار بخمسمائة ، وبيعت الأمتعة والثياب والغلات بأرخص الأثمان ، وجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية في ثاني صفر بمجلسه في الجامع وحرض الناس على القتال ، وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك ، ونهى عن الاسراع في الفرار ، ورغب في إنفاق الأموال في الذب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم ، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرا ، وأوجب جهاد التتر حتما في هذه الكرة ، وتابع المجالس في ذلك ، ونودي في البلاد لا يسافر أحد إلا بمرسوم وورقة فتوقف الناس عن السير وسكن جأشهم ، وتحدث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعساكر ودقت البشائر لخروجه ، لكن كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق كبيت ابن صصرى وبيت ابن فضل الله وابن منجا وابن سويد وابن الزملكاني وابن جماعة . وفي أول ربيع الآخر قوي الأرجاف بأمر التتر ، وجاء الخبر بأنهم قد وصلوا إلى البيرة ونودي في البلد أن تخرج العامة من العسكر ، وجاء مرسوم النائب من المرج بذلك ، فاستعرضوا في أثناء الشهر فعرض نحو خمسة آلاف من العامة بالعدة والأسلحة على قدر طاقتهم ، وقنت الخطيب ابن جماعة في الصلوات كلها ، واتبعه أئمة المساجد ، وأشاع المرجفون بأن التتر قد وصلوا إلى حلب وأن نائب حلب تقهقر إلى حماة ، ونودي في البلد بتطييب قلوب الناس وإقبالهم على معايشهم ، وأن السلطان والعساكر واصلة ، وأبطل ديوان المستخرج وأقيموا ، ولكن كانوا قد استخرجوا أكثر مما