ابن كثير

152

البداية والنهاية

نسبه السماكي نسبة إلى أبي دجانة سماك بن خرشة والله أعلم . ولد ليلة الاثنين ثامن شوال سنة ست ( 1 ) وستين وستمائة ، وسمع الكثير واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري ، وفي الأصول على القاضي بهاء الدين بن الزكي ، وفي النحو على بدر الدين بن ملك وغيرهم ، وبرع وحصل وساد أقرانه من أهل مذهبه ، وحاز قصب السبق عليهم بذهنه الوقاد في تحصيل العلم الذي أسهره ومنعه الرقاد وعبارته التي هي أشهى من كل شئ معتاد ، وخطه الذي هو أنضر من أزاهير الوهاد ، وقد درس بعدة مدارس بدمشق ، وباشر عدة جهات كبار ، كنظر الخزانة ونظر المارستان النوري وديوان الملك السعيد ، ووكالة بيت المال . وله تعاليق مفيدة واختيارات حميدة سديدة ، ومناظرات سعيدة . ومما علقه قطعة كبيرة من شرح المنهاج للنووي ، ومجلد في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الطلاق وغير ذلك ، وأما دروسه في المحافل فلم أسمع أحدا من الناس درس أحسن منها ولا أحلى من عبارته ، وحسن تقريره ، وجودة احترازاته ، وصحة ذهنه وقوة قريحته وحسن نظمه ، وقد درس بالشامية البرانية والعذراوية الجوانية والرواحية والمسرورية ، فكان يعطي كل واحدة منهن حقها بحيث كان يكاد ينسخ بكل واحد من تلك الدروس ما قبله من حسنه وفصاحته ، ولا يهيله تعداد الدروس وكثرة الفقهاء والفضلاء ، بل كلما كان الجمع أكثر والفضلاء أكبر كان الدرس أنضر وأبهر وأحلى وأنصح وأفصح . ثم لما انتقل إلى قضاء حلب وما معه من المدارس العديدة عامله معاملة مثلها ، وأوسع بالفضيلة جميع أهلها ، وسمعوا من العلوم ما لم يسمعوا هم ولا آباؤهم . ثم طلب إلى الديار المصرية ليولي الشامية دار السنة النبوية فعاجلته المنية قبل وصوله إليها ، فمرض وهو سائر على البريد تسعة أيام ، ثم عقب المرض بحراق الحمام فقبضه هاذم اللذات ، وحال بينه وبين سائر الشهوات والإرادات ، والأعمال بالنيات . ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ، وكان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشام متوليا أن يؤذي شيخ الاسلام ابن تيمية فدعا عليه فلم يبلغ أمله ومراده ، فتوفي في سحر يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان بمدينة بلبيس ، وحمل إلى القاهرة ودفن بالقرافة ليلة الخميس جوار قبة الشافعي تغمدها الله برحمته . الحاج علي المؤذن المشهور بالجامع الأموي الحاج علي بن فرج بن أبي الفضل الكتاني ، كان أبوه من خيار المؤذنين ، فيه صلاح ودين وله قبول عند الناس ، وكان حسن الصوت جهوره ، وفيه تودد وخدم وكرم ، وحج غير مرة وسمع من أبي عمر وغيره ، توفي ليلة الأربعاء ثالث ذي القعدة وصلي عليه غدوة ، ودفن بباب الصغير . وفي ذي القعدة توفي :

--> ( 1 ) في بدائع الزهور وتذكرة النبيه : سبع وستين . ( انظر شذرات الذهب 6 / 8 7 ) .