ابن كثير

142

البداية والنهاية

الدكاكين بذلك ، وشددوا في أمرهم أياما . وفي ربيع الأول ولي الشيخ علاء الدين المقدسي معيد البادرانية مشيخة الصلاحية بالقدس الشريف ، وسافر إليها . وفي جمادى الآخرة عزل قرطاي عن ولاية طرابلس ووليها طينال وأقر قرطاي على خبز القرماني بدمشق بحكم سجن القرماني بقلعة دمشق . قال البرزالي : وفي يوم الاثنين عند العصر سادس عشر شعبان اعتقل الشيخ الامام العالم العلامة تقي الدين بن تيمية بقلعة دمشق ، حضر إليه من جهة نائب السلطنة تنكز مشدا الأوقاف وابن الخطيري أحد الحجاب بدمشق ، وأخبراه أن مرسوم السلطان ورد بذلك ، وأحضرا معهما مركوبا ليركبه ، وأظهر السرور والفرح بذلك ، وقال أنا كنت منتظرا لذلك ، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة ، وركبوا جميعا من داره إلى باب القلعة ، وأخليت له قاعة وأجرى إليها الماء ورسم له بالإقامة فيها ، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان ، ورسم له ما يقوم بكفايته . قال البرزالي : وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرئ بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنه من الفتيا ، وهذه الواقعة سببها فتيا وجدت بخطه في السفر وإعمال المطي إلى زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقبور الصالحين . وقال : وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدين في سجن الحكم ، وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له فيه ، فما تقتضيه الشريعة في أمرهم ، وعزر ( 1 ) جماعة منهم على دواب ونودي عليهم ثم أطلقوا ، سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية فإنه حبس بالقلعة ، وسكتت القضية . قال وفي أول رمضان وصلت الاخبار إلى دمشق أنه أجريت عين ماء إلى مكة شرفها الله وانتفع الناس بها انتفاعا عظيما ، وهذه العين تعرف قديما بعين باذان ، أجراها جوبان من بلاد بعيدة حتى دخلت إلى نفس مكة ، ووصلت إلى عند الصفا وباب إبراهيم ، واستقى الناس منها فقيرهم وغنيهم وضعيفهم وشريفهم ، كلهم فيها سواء ، وارتفق أهل مكة بذلك رفقا كثيرا ولله الحمد والمنة . وكانوا قد شرعوا في حفرها وتجديدها في أوائل هذه السنة إلى العشر الاخر من جمادى الأولى ، واتفق أن في هذه السنة كانت الآبار التي بمكة قد يبست وقل ماؤها ، وقل ماء زمزم أيضا ، فلو لا أن الله تعالى لطف بالناس بإجراء هذه القناة لنزح عن مكة أهلها ، أو هلك كثير مما يقيم بها . وأما الحجيج في أيام الموسم فحصل لهم بها رفق عظيم زائد عن الوصف ، كما شاهدنا ذلك في سنة إحدى وثلاثين عام حججنا . وجاء كتاب السلطان إلى نائبه بمكة بإخراج الزيديين من المسجد الحرام ، وأن لا يكون لهم فيه إمام ولا مجتمع ، ففعل ذلك .

--> ( 1 ) عزر ، أدب ، والتعزير : التأديب ، وتعزير المذنب تأديبه على ذنب ارتكبه ، لم تشرع فيه الحدود بعقوبة ثابتة ، ولذا تختلف العقوبة فيه بحسب المذنب والذنب المرتكب ( انظر الماوردي : الأحكام السلطانية ص 224 وما بعدها ) .