ابن كثير
135
البداية والنهاية
منها قدم إلى دمشق الشيخ شمس الدين محمود الأصبهاني بعد مرجعه من الحج وزيارة القدس الشريف وهو رجل فاضل له مصنفات منها : شرح مختصر ( 1 ) ابن الحاجب ، وشرح التجويد ( 2 ) وغير ذلك ، ثم إنه شرح الحاجبية أيضا وجمع له تفسيرا بعد صيرورته إلى مصر ، ولما قدم إلى دمشق أكرم واشتغل عليه الطلبة ، وكان حظيا عند القاضي جلال الدين القزويني ، ثم إنه ترك الكل وصار يتردد إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وسمع عليه من مصنفاته ورده على أهل الكلام ، ولازمه مدة فلما مات الشيخ تقي الدين تحول إلى مصر وجمع التفسير . وفي ربيع الأول حرد السلطان تجريدة نحو خمسة آلاف إلى اليمن لخروج عمه عليه ( 3 ) ، وصحبتهم خلق كثير من الحجاج ، منه الشيخ فخر الدين النويري . وفيها منع شهاب الدين بن مري البعلبكي من الكلام على الناس بمصر ، على طريقة الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وعزره القاضي المالكي بسبب الاستغاثة ، وحضر المذكور بين يدي السلطان وأثنى عليه جماعة من الأمراء ، مسفر إلى الشام بأهله فنزل ببلاد الخليل ، ثم انتزح إلى بلاد الشرق وأقام بسنجار وماردين ومعاملتهما يتكلم ويعظ الناس إلى أن مات رحمه الله كما سنذكره . وفي ربيع الآخر عاد نائب الشام من مصر وقد أكرمه السلطان والأمراء . وفي جمادى الأولى وقع بمصر مطر لم يسمع بمثله بحيث زاد النيل بسببه أربع أصابع ، وتغير أياما . وفيه زادت دجلة ببغداد حتى غرقت ما حول بغداد وانحصر الناس بها ستة أيام لم تفتح أبوابها ، وبقيت مثل السفينة في وسط البحر ، وغرق خلق كثير من الفلاحين وغيرهم ، وتلف للناس ما يعلمه إلا الله ، وودع أهل البلد بعضهم بعضا ، ولجأوا إلى الله تعالى وحملوا المصاحف على رؤوسهم في شدة الشوق في أنفسهم حتى القضاة والأعيان ، وكان وقتا عجيبا ، ثم لطف الله بهم فغيض الماء وتناقص ، وتراجع الناس إلى ما كانوا عليه من أمورهم الجائرة وغير الجائرة ، وذكر بعضهم أنه غرق بالجانب الغربي نحو من ستة آلاف وستمائة بيت ، وإلى عشر سنين لا يرجع ما غرق .
--> ( 1 ) وهو مختصر منتهى السؤل والأمل في علم الأصول والجدل للشيخ عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب ( كشف الظنون 2 / 1625 ) . ( 2 ) وهو تجريد الكلام للعلامة محمد بن محمد الطوسي ، نصير الدين ( كشف الظنون 1 / 346 ) . ( 3 ) وهو الملك المجاهد علي بن المؤيد داود بن المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول . وقد حكم اليمن في الفترة من 721 - 764 ( انظر الدرر 3 / 18 مختصر أخبار البشر 4 / 94 ) . وفي سبب تجريده هذه الحملة قولان : الأول : ان التجريدة جاءت بناء على طلب الملك واكثاره من ترغيب السلطان في المال الذي باليمن . فاجتمعوا إليه فور وصولهم وألبسوه خلع السلطنة ثم رجعوا إلى الديار المصرية . والآخر : انه بلغ السلطان اضطراب حال اليمن وفساد الرعية فأرسل إليها جيشا ، وخوفا من هذا الجيش واستيحاشه منه - تمنع الملك المؤيد في قلعة تعز وعصى بها ولم يكن مع الجيش إلا مرسوما بمساعدته وتقرير ولايته فتركوه وعادوا إلى الديار المصرية . ( تذكرة النبيه 2 / 149 مختصر أخبار البشر 4 / 94 كنز الدرر 9 / 318 السلوك 2 / 259 ) .