ابن كثير
11
البداية والنهاية
التتر وعاد بعد يومين ولم يتفق اجتماعه به ، حجبه عنه الوزير سعد الدين والرشيد مشير الدولة المسلماني ابن يهودي ، والتزما له بقضاء الشغل ، وذكرا له أن التتر لم يحصل لكثير منهم شئ إلى الآن ، ولا بد لهم من شئ ، واشتهر بالبلد أن التتر يريدون دخول دمشق فانزعج الناس لذلك وخافوا خوفا شديدا ، وأرادوا الخروج منها والهرب على وجوههم ، وأين الفرار ولات حين مناص ، وقد أخذ من البلد فوق العشرة آلاف فرس ، ثم فرضت أموال كثيرة على البلد موزعة على أهل الأسواق كل سوق بحسبه من المال ، فلا قوة إلا بالله . وشرع التتر في عمل مجانيق بالجامع ليرموا بها القلعة من صحن الجامع ، وغلقت أبوابه ونزل التتار في مشاهده يحرسون أخشاب المجانيق ، وينهبون ما حوله من الأسواق ، وأحرق أرجوان ما حول القلعة من الأبنية ، كدار الحديث الأشرفية وغير ذلك ، إلى حد العادلية الكبيرة ، وأحرق دار السعادة لئلا يتمكنوا من محاصرة القلعة من أعاليها ، ولزم الناس منازلهم لئلا يسخروا في طم الخندق ، وكانت الطرقات لا يرى بها أحد إلا القليل ، والجامع لا يصلي فيه أحد إلا اليسير ، ويوم الجمعة لا يتكامل فيه الصف الأول وما بعده إلا بجهد جهيد ، ومن خرج من منزله في ضرورة يخرج بثياب زيهم ثم يعود سريعا ، ويظن أنه لا يعود إلى أهله ، وأهل البلد قد أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . والمصادرات والتراسيم والعقوبات عمالة في أكابر أهل البلد ليلا ونهارا ، حتى أخذ منهم شئ كثير من الأموال والأوقاف ، كالجامع وغيره ، ثم جاء مرسوم بصيانة الجامع وتوفير أوقافه وصرف ما كان يؤخذ بخزائن السلاح وإلى الحجاز ، وقرئ ذلك المرسوم بعد صلاة الجمعة بالجامع في تاسع عشر ( 1 ) جمادى الأولى ، وفي ذلك اليوم توجه السلطان قازان وترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل نحو بلاد العراق ، وجاء كتابه إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل ، وفي عزمنا العود إليها في زمن الخريف ، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها ، وقد أعجزتهم القلعة أن يصلوا إلى حجر منها ، وخرج سيف الدين قبجق لتوديع قطلوشاه نائب قازان وسار وراءه وضربت البشائر بالقلعة فرحا لرحيلهم ، ولم تفتح القلعة ، وأرسل أرجواش ثاني يوم من خروج قبجق القلعية إلى الجامع فكسروا أخشاب المنجنيقات المنصوبة به ، وعادوا إلى القلعة سريعا سالمين ، واستصحبوا معهم جماعة ممن كانوا يلوذون بالتتر قهرا إلى القلعة ، منهم الشريف القمي ، وهو شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم المرتضى العلوي ، وجاءت الرسل من قبجق إلى دمشق فنادوا بها طيبوا أنفسكم وافتحوا دكاكينكم وتهيئوا غدا لتلقي سلطان الشام سيف الدين قبجق ، فخرج الناس إلى أماكنهم فأشرفوا عليها فرأوا ما بها من الفساد والدمار ، وانفك رؤساء البلد من التراسيم بعد ما ذاقوا شيئا كثيرا . قال الشيخ علم الدين البرزالي : ذكر لي الشيخ وجيه الدين بن المنجا أنه حمل إلى خزانة قازان
--> ( 1 ) في السلوك 1 / 895 : ثاني عشر ( انظر بدائع الزهور 1 / 1 / 404 ) .