ابن كثير

100

البداية والنهاية

وكان له أولاد وثروة عظيمة ، وبلغ الثمانين من العمر ، وكانت له يد جيدة يوم الرحبة ، فإنه صانع عن المسلمين وأتقن القضية في رجوع ملك التتار عن البلاد الشامية ، سنة ثنتي عشرة كما تقدم ، وكان يناصح الاسلام ، ولكن قد نال منه خلق كثير من الناس واتهموه على الدين وتكلموا في تفسيره هذا ، ولا شك أنه كان مخبطا مخلطا ، وليس لديه علم نافع ، ولا عمل صالح . ولما تولى أبو سعيد المملكة عزله وبقي مدة خاملا ثم استدعاه جوبان وقال له : أنت سقيت السلطان خربندا سما ؟ فقال له : أنا كنت في غاية الحقارة والذلة ، فصرت في أيامه وأيام أبيه في غاية العظمة والعزة ، فكيف أعمد إلى سقيه والحالة هذه ؟ فأحضرت الأطباء فذكروا صورة مرض خربندا وصفته ، وأن الرشيد أشار بإسهاله لما عنده في باطنه من الحواصل ، فانطلق باطنه نحوا من سبعين مجلسا ، فمات بذلك على وجه أنه أخطأ في الطب . فقال : فأنت إذا قتلته ، فقتله وولده إبراهيم واحتيط على حواصله وأمواله ، فبلغت شيئا كثيرا ، وقطعت أعضاؤه وحمل كل جزء منها إلى بلدة ، ونودي على رأسه بتبريز هذا رأس اليهودي الذي بدل كلام الله لعنه الله ، ثم احترقت جثته ، وكان القائم عليه علي شاه . وفي هذا الشهر - أعني جمادى الأولى - تولى قضاء المالكية بمصر تقي الدين الأخنائي ( 1 ) عوضا عن زين الدين بن مخلوف توفي عن أربع وثمانين سنة ( 2 ) ، وله في الحكم ثلاث وثلاثون سنة . وفي يوم الخميس عاشر رجب لبس صلاح الدين يوسف بن الملك الأوحد خلعة الامرة بمرسوم السلطان ، وفي آخر رجب جاء سيل عظيم بظاهر حمص خرب شيئا كثيرا ، وجاء إلى البلد ليدخلها فمنعه الخندق . وفي شعبان تكامل بناء الجامع الذي عمره تنكز ظاهر باب النصر ، وأقيمت الجمعة فيه عاشر شعبان ، وخطب فيه الشيخ نجم الدين علي بن داود بن يحيى الحنفي المعروف بالفقجازي ، من مشاهير الفضلاء ذوي الفنون المتعددة ، وحضر نائب السلطنة والقضاة والأعيان والقراء والمنشدون وكان يوما مشهودا . وفي يوم الجمعة التي يليها خطب بجامع القبيبات الذي أنشأه كريم الدين وكيل السلطان ، وحضر فيه القضاة والأعيان ، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الواحد بن يوسف بن الرزين الحراني الأسدي الحنبلي ، وهو من الصالحين الكبار ، ذوي الزهادة والعبادة والنسك والتوجه وطيب الصوت وحسن السمت . وفي حادي عشر رمضان خرج الشيخ شمس الدين بن النقيب إلى حمص حاكما بها مطلوبا مولى مرغوبا فيه ، وخرج الناس لتوديعه .

--> ( 1 ) هو تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة السعدي الأخنائي المالكي المتوفى سنة 750 ه‍ وهو شقيق علم الدين محمد المتوفى سنة 732 ه‍ ( انظر النجوم الزاهرة 10 / 247 الدرر 4 / 27 ) . ( 2 ) في السلوك 2 / 1 / 188 والنجوم الزاهرة 9 / 242 : ولد سنة 620 فيكون له 98 سنة ، وفي تذكر النبيه 2 / 93 : مات وهو من أبناء التسعين .