ابن كثير

92

البداية والنهاية

الشيخ العمادي أصغر من أخيه الحافظ عبد الغني بسنتين ، وقدم مع الجماعة إلى دمشق سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، ودخل بغداد مرتين وسمع الحديث وكان عابدا زاهدا ورعا كثير الصيام ، يصوم يوما ويفطر يوما ، وكان فقيها مفتيا ، وله كتاب الفروع وصنف أحكاما ولم يتمه ، وكان يؤم بمحراب الحنابلة مع الشيخ الموفق ، وإنما كانوا يصلون بغير محراب ، ثم وضع المحراب في سنة سبع عشرة وستمائة ، وكان أيضا يؤم بالناس لقضاء الفوائت ، وهو أول من فعل ذلك . صلى المغرب ذات ليلة وكان صائما ثم رجع إلى منزله بدمشق فأفطر ثم مات فجأة ، فصلي عليه بالجامع الأموي ، صلى عليه الشيخ الموفق عند مصلاهم ، ثم صعدوا به إلى السفح ، وكان يوم موته يوما مشهودا من كثرة الناس . قال سبط ابن الجوزي كان الخلق من الكهف إلى مغارة الدم إلى المنطور لو بذر السمسم ما وقع إلا على رؤوس الناس ، قال فلما رجعت تلك الليلة فكرت فيه وفي جنازته وكثرة من شهدها وقلت : هذا كان رجلا صالحا ولعله أن يكون نظر إلى ربه حين وضع في قبره ، ومر بذهني أبيات الثوري التي أنشدها بعد موته في المنام : نظرت إلى ربي كفاحا فقال لي * هنيئا رضائي عنك يا بن سعيد لقد كنت قواما إذا أظلم الدجى * بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر أردته * وزرني فإني عنك غير بعيد ثم قلت أرجو أن يكون العماد رأى ربه كما رآه الثوري ، فنمت فرأيت الشيخ العماد في المنام وعليه حلة خضراء وعمامة خضراء ، وهو في مكان متسع كأنه روضة ، وهو يرقى في درج متسعة ، فقلت : يا عماد الدين كيف بت فإني والله مفكر فيك ؟ فنظر إلي وتبسم على عادته التي كنت أعرفه فيها في الدنيا ثم قال : رأيت إلهي حين أنزلت حفرتي * وفارقت أصحابي وأهلي وجيرتي وقال : جزيت الخير عني فإنني * رضيت فها عفوي لديك ورحمتي دأبت زمانا تأمل العفو والرضا * فوقيت نيراني ولقيت جنتي قال فانتبهت وأنا مذعور وكتبت الأبيات والله أعلم . القاضي جمال الدين ابن الحرستاني عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل أبو القاسم الأنصاري ابن الحرستاني قاضي القضاة بدمشق ولد سنة عشرين وخمسمائة ، وكان أبوه من أهل حرستان ، فنزل داخل باب توما وأم بمسجد الزينبي ونشأ ولده هذا نشأة حسنة سمع الحديث الكثير وشارك الحافظ ابن عساكر في كثير من شيوخه ، وكان يجلس للاسماع بمقصورة الخضر ، وعندها كان يصلي دائما لا تفوته الجماعة