ابن كثير

90

البداية والنهاية

وكم ليل سهرت وبت فيه * أراعي النجم أرتقب الصباحا وكم في فدفد فرسي ونضوي * بقائلة الهجير غدا وراحا لعينك في العجاجة ما ألاقي * وأثبت في الكريهة لا براحا محمد بن يحيى ابن هبة الله أبو نصر النحاس الواسطي كتب إلى السبط من شعره : وقائلة لما عمرت وصار لي * ثمانون عاما : عش كذا وابق واسلم ودم وانتشق روح الحياة فإنه * لأطيب من بيت بصعدة مظلم فقلت لها : عذري لديك ممهد * ببيت زهير فاعلمي وتعلمي " سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا محالة يسأم " ( 1 ) ثم دخلت سنة أربع عشرة وستمائة في ثالث المحرم منها كمل تبليط داخل الجامع الأموي وجاء المعتمد مبارز الدين إبراهيم المتولي بدمشق ، فوضع آخر بلاطة منه بيده عند باب الزيارة فرحا بذلك . وفيها زادت دجلة ببغداد زيادة عظيمة وارتفع الماء حتى ساوى القبور إلا مقدار إصبعين ، ثم طفح الماء من فوقه وأيقن الناس بالهلكة واستمر ذلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، ثم من الله فتناقص الماء وذهبت الزيادة ، وقد بقيت بغداد تلولا وتهدمت أكثر البنايات . وفيها درس بالنظامية محمد بن يحيى بن فضلان وحضر عنده القضاة والأعيان . وفيها صدر الصدر بن حمويه رسولا من العادل إلى الخليفة . وفيها قدم ولده الفخر بن الكامل إلى المعظم يخطب منه ابنته على ابنه أقسيس صاحب اليمن ، فعقد العقد بدمشق على صداق هائل . وفيها قدم السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش من همدان قاصدا إلى بغداد في أربعمائة ألف مقاتل ، وقيل في ستمائة ألف ، فاستعد له الخليفة واستخدم الجيوش وأرسل إلى الخليفة يطلب منه أن يكون بين يديه على قاعدة من تقدمه من الملوك السلاجقة ، وأن يخطب له ببغداد ، فلم يجبه الخليفة إلى ذلك ، وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين السهروردي ، فلما وصل شاهد عنده من العظمة وكثرة الملوك بين يديه وهو جالس في حركاة من ذهب على سرير ساج ، وعليه قباء بخاري ما يساوي خمسة دراهم ، وعلى رأسه جلدة ما تساوي درهما ، فسلم عليه فلم يرد عليه من الكبر ولم يأذن له في الجلوس ، فقام إلى جانب السرير وأخذ في خطبة هائلة فذكر فيها فضل بني العباس وشرفهم ، وأورد حديثا في النهي

--> ( 1 ) الأبيات في الوافي 5 / 199 والبيت الأخير في ديوان زهير ص 16 . والشعراء الستة ص 96 .