ابن كثير

83

البداية والنهاية

الخليفة عليه حزنا عظيما ، وكذلك الخاصة والعامة لكثرة صدقاته وإحسانه إلى الناس ، حتى قيل إنه لم يبق بيت ببغداد إلا حزنوا عليه ، وكان يوم جنازته يوما مشهودا وناح أهل البلد عليه ليلا ونهارا ، ودفن عند جدته بالقرب من قبر معروف ( 1 ) ، توفي يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة وصلي عليه بعد صلاة العصر ، وفي هذا اليوم قدم بغداد برأس منكلي الذي كان قد عصي ( 2 ) على الخليفة وعلى أستاذه ، فطيف به ولم يتم فرحه ذلك اليوم لموت ولده وولي عهده ، والدنيا لا تسر بقدر ما تضر ، وترك ولدين أحدهما المؤيد أبو عبد الله الحسين ، والموفق أبو الفضل يحيى . وفيها توفي من الأعيان : الحافظ عبد القادر الرهاوي ابن عبد القادر بن عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الحافظ المحدث المخرج المفيد المحرر المتقن البارع المصنف ، كان مولى لبعض المواصلة ، وقيل لبعض الجوابين ، اشتغل بدار الحديث بالموصل ، ثم انتقل إلى حران ، وقد رحل إلى بلدان شتى ، وسمع الكثير من المشايخ ، وأقام بحران إلى أن توفي بها ، وكان مولده في سنة ست وثلاثين وخمسمائة ، كان دينا صالحا رحمه الله . الوجيه الأعمى أبو بكر المبارك بن سعيد بن الدهان النحوي الواسطي الملقب بالوجيه ، ولد بواسط وقدم بغداد فاشتغل بعلم العربية ، فأتقن ذلك وحفظ شيئا من أشعار العرب ، وسمع الحديث وكان حنبليا ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة ، ثم صار شافعيا ، وولي تدريس النحو بالنظامية ، وفيه يقول الشاعر ( 3 ) : فمن مبلغ عني الوجيه رسالة * وإن كان لا تجدي إليه الرسائل ( 4 ) تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل * وذلك لما أعوزتك المآكل وما أخذت برأي الشافعي ديانة ( 5 ) * ولكنما تهوى الذي هو حاصل

--> ( 1 ) أي معروف الكرخي . ( 2 ) منكلي وهو صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد ، قتل في مدينة ساوة وأرسل رأسه إلى الخليفة ببغداد . ( 3 ) وهو أبو البركات بن زيد التكريتي ، وقد تقدمت وفاته ، والابيات . ( 4 ) في ابن الأثير : لديه الرسائل . ( 5 ) في الوافي 2 / 116 وابن الأثير 12 / 312 : وما اخترت رأي الشافعي تدينا .