ابن كثير

74

البداية والنهاية

يعظ في الأعزية والمساجد والقرى ، وكان ظريفا مطبوعا قام إليه إنسان فقال له فيما بينه وبينه : أنا مريض جائع ، فقال : احمد ربك فقد عوفيت . واجتاز مرة على قصاب يبيع لحما ضعيفا وهو يقول أين من حلف لا يغبن ، فقال له حتى تحنثه . قال : وعملت مرة مجلسا بيعقوبا فجعل هذا يقول عندي للشيخ نصفية وهذا يقول عندي للشيخ نصفية وهذا يقول مثله حتى عدوا نحوا من خمسين نصفية ، فقلت في نفسي : استغنيت الليلة فأرجع إلى البلد تاجرا ، فلما أصبحت إذا صبرة من شعير في المسجد فقيل لي هذه النصافي التي ذكر الجماعة ، وإذا هي بكيلة يسمونها نصفية مثل الزبدية ، وعملت مرة مجلسا بباصرا فجمعوا لي شيئا لا أدري ما هو ، فلما أصبحنا إذا شئ من صوف الجواميس وقرونها ، فقام رجل ينادي عليكم عندكم في قرون الشيخ وصوفه ، فقلت لا حاجة لي بهذا وأنتم في حل منه . ذكره أبو شامة . ثم دخلت سنة ثمان وستمائة استهلت والعادل مقيم على الطور لعمارة حصنه ، وجاءت الاخبار من بلاد المغرب بأن عبد المؤمن قد كسر الفرنج بطليطلة كسرة عظيمة ، وربما فتح البلد عنوة وقتل منهم خلقا كثيرا . وفيها كانت زلزلة عظيمة شديدة بمصر والقاهرة ، هدمت منها دورا كثيرة ، وكذلك بالكرك والشوبك هدمت من قلعتها أبراجا ، ومات خلق كثير من الصبيان والنسوان تحت الهدم ، ورئي دخان نازل من السماء فيما بين المغرب والعشاء عند قبر عاتكة غربي دمشق . وفيها أظهرت الباطنية الاسلام وأقامت الحدود على من تعاطى الحرام ، وبنوا الجوامع والمساجد ، وكتبوا إلى إخوانهم بالشام بمضات وأمثالها بذلك ، وكتب زعيمهم جلال الدين إلى الخليفة يعلمه بذلك ، وقدمت أمة منهم إلى بغداد لأجل الحج فأكرموا وعظموا بسبب ذلك ، ولكن لما كانوا بعرفات ظفر واحد منهم على قريب لأمير مكة قتادة الحسيني فقتله ظانا أنه قتادة فثارت فتنة بين سودان مكة وركب العراق ، ونهب الركب وقتل منهم خلق كثير . وفيها اشترى الملك الأشرف جوسق الريس من النيرب من ابن عم الظاهر خضر بن صلاح الدين وبناه بناء حسنا ، وهو المسمى بزماننا بالدهشة . وفيها توفي من الأعيان : الشيخ عماد الدين محمد بن يونس الفقيه الشافعي الموصلي صاحب التصانيف والفنون الكثيرة ، كان رئيس الشافعية بالموصل ، وبعث رسولا إلى بغداد بعد موت نور الدين أرسلان ، وكان عنده وسوسة كثيرة في الطهارة ، وكان يعامل في الأموال بمسألة العينة كما قيل تصفون البعوض من شرابكم وتستر بطون الجمال بأحمالها ، ولو عكس الامر لكان خيرا له ، فلقيه يوما قضيب الباب الموكه فقال