ابن كثير
62
البداية والنهاية
فاجتاز بالشام فاجتمع في مجلس الوزير الصفي هو والشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي شيخ اللغة والحديث ، فأورد ابن دحية في كلامه حديث الشفاعة حتى انتهى إلى قول إبراهيم عليه السلام " إنما كنت خليلا من وراء وراء " بفتح اللفظتين ، فقال الكندي من وراء وراء بضمهما ، فقال ابن دحية للوزير ابن شكر : من هذا ؟ فقال : هذا أبو اليمن الكندي ، فنال منه ابن دحية ، وكان جريئا ، فقال الكندي : هو من كلب ينبح كما ينبح الكلب . قال أبو شامة : وكلتا اللفظتين محكية ، وحكى فيهما الجر أيضا . وفيها عاد فخر الدين ابن تيمية خطيب من حران من الحج إلى بغداد وجلس بباب بدر للوعظ ، مكان محيي الدين يوسف بن الجوزي ، فقال في كلامه ذلك : وابن اللبون إذا ما لز في قرن * لم يستطع صولة البزل القناعيس كأنه يعرض بابن الجوزي يوسف ، لكونه شابا ابن خمس وعشرين سنة والله أعلم . وفي يوم الجمعة تاسع محرم دخل مملوك إفرنجي من باب مقصورة جامع دمشق وهو سكران وفي يده سيف مسلول ، والناس جلوس ينتظرون صلاة الفجر ، فمال على الناس يضربهم بسيفه فقتل اثنين أو ثلاثة ، وضرب المنبر بسيفه فانكسر سيفه فأخذ وأودع المارستان ، وشنق في يومه ذلك على جسر اللبادين . وفيها عاد الشيخ شهاب الدين السهروردي من دمشق بهدايا الملك العادل فتلقاه الجيش ومعه أموال كثيرة أيضا لنفسه ، وكان قبل ذلك فقيرا زاهدا ، فلما عاد منع من الوعظ وأخذت منه الربط التي يباشرها ، ووكل إلى ما بيده من الأموال ، فشرع في تفريقها على الفقراء والمساكين ، فاستغنى منه خلق كثير ، فقال المحيي ابن الجوزي في مجلس وعظه : لا حاجة بالرجل يأخذ أموالا من غير حقها ويصرفها إلى من يستحقها ، ولو ترك على ما كان تركها أولى به من تناولها ، وإنما أراد أن ترتفع منزلته ببذلها . ويعود على حاله كما كان مباشره لما بذلها ، فليحذر العبد الدنيا فإنها خداعة غرارة تسترق فحول العلماء والعباد ، وقد وقع ابن الجوزي فيما بعد فيما وقع فيه السهروردي وأعظم . وفيها قصدت الفرنج حمص وعبروا على العاصي يجسر عدوة ، فلما عرف بهم العساكر ركبوا في آثارهم فهربوا منهم فقتلوا خلقا كثيرا منهم وغنم المسلمون منهم غنيمة جيدة ولله الحمد . وفيها قتل صاحب الجزيرة ، وكان من أسوأ الناس سيرة وأخبثهم سريرة ، وهو الملك سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكي ، ابن عم نور الدين صاحب الموصل ، وكان الذي تولى قتله ولده غازي ، توصل إليه حتى دخل عليه وهو في الخلاء سكران ، فضربه بسكين أربع عشرة ضربة ، ثم ذبحه ، وذلك كله ليأخذ الملك من بعده فحرمه الله إياه ، فبويع بالملك لأخيه محمود وأخذ غازي القاتل فقتله من يومه ، فسلبه الله الملك والحياة ، ولكن أراح الله المسلمين من ظلم أبيه وغشمه وفسقه . وفيها توفي من الأعيان :