ابن كثير

410

البداية والنهاية

ففعلوا ذلك ، واستمر ذلك نحوا من شهرين ثم عاد إلى ما كان عليه . وفي صبيحة هذا اليوم درس القاضي شمس الدين بن الحريري بالقيمازية عوضا عن ابن النحاس باتفاق بينهم ، وحضر عنده جماعة ، ثم صلى السلطان الجمعة الأخرى بالمقصورة ومعه وزيره ابن الخليلي وهو ضعيف من مرض أصابه ، وفي سابع عشر المحرم أمر للملك الكامل بن الملك السعيد بن الصالح إسماعيل بن العادل بطبلخانة ( 1 ) ولبس الشربوش ، ودخل القلعة ودقت له الكوسات على بابه ، ثم خرج السلطان العادل كتبغا بالعساكر من دمشق بكرة الثلاثاء ثاني عشرين المحرم ، وخرج بعده الوزير فاجتاز بدار الحديث ، وزار الأثر النبوي ، وخرج إليه الشيخ زين الدين الفارقي وشافهه بتدريس الناصرية ، وترك زين الدين تدريس الشامية البرانية فوليها القاضي كمال الدين بن الشريشي ، وذكر أن الوزير أعطى الشيخ شيئا من حطام الدنيا فقبله ، وكذلك أعطى خادم الأثر وهو المعين خطاب . وخرج الأعيان والقضاة مع الوزير لتوديعه . ووقع في هذا اليوم مطر جيد استشفى الناس به وغسل آثار العساكر من الأوساخ وغيرها ، وعاد التقي توبة من توديع الوزير وقد فوض إليه نظر الخزانة وعزل عنها شهاب الدين بن النحاس ، ودرس الشيخ ناصر الدين بالناصرية الجوانية عوضا عن القاضي بدر الدين بن جماعة في يوم الأربعاء آخر يوم من المحرم . وفي هذا اليوم تحدث الناس فيما بينهم بوقوع تخبيط بين العساكر ، وخلف وتشويش ، فغلق باب القلعة الذي يلي المدينة ، ودخل الصاحب شهاب الدين إليها من ناحية الخوخة ، وتهيأ النائب والامراء وركب طائفة من الجيش على باب النصر وقوفا ، فلما كان وقت العصر وصل السلطان الملك العادل كتبغا إلى القلعة في خمسة أنفس أو ستة من مماليكه ، فدخل القلعة فجاء إليه الامراء وأحضر ابن جماعة وحسام الدين الحنفي ، وجددوا الحلف للأمراء ثانية فحلفوا ، وخلع عليهم ، وأمر بالاحتياط على نواب الأمير حسام الدين لاجين وحواصله ، وأقام العادل بالقلعة هذه الأيام ، وكان الخلف الذي وقع بينهم بوادي فحمة يوم الاثنين التاسع والعشرين من المحرم ، وذلك أن الأمير حسام الدين لاجين كان قد واطأ جماعة من الامراء في الباطن على العادل ، وتوثق منهم وأشار على العادل حين خرجوا من دمشق أن يستصحب معه الخزانة ، وذلك لئلا يبقى بدمشق شئ من المال يتقوى به العادل إن فاتهم ورجع إلى دمشق ، ويكون قوة له هو في الطريق على ما عزم عليه من الغدر ، فلما كانوا بالمكان المذكور قتل لاجين الأمير سيف الدين بيحاص ( 2 ) وبكتوت الأزرق

--> ( 1 ) الطبلخانة : كلمة فارسية معناها فرقة الموسيقى السلطانية أو بيت الطبل ويشتمل على الطبول والأبواق . والطبلخانة أيضا المكان المخصص من حواصل السلطان لطبول الفرقة وأبواقها وتوابعها من الآلات . ويحكم على ذلك أمير من أمراء العشرات ويعرف بأمير علم . ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص 228 ) . ( 2 ) في مختصر أبي الفداء 4 / 34 والسلوك 1 / 820 : بتخاص . وانظر بدائع الزهور 1 / 1 / 391 .