ابن كثير

404

البداية والنهاية

سابور بن علي بن غنيمة الفاروثي ( 1 ) الواسطي ، ولد سنة أربع عشرة ( 2 ) وستمائة ، وسمع الحديث ورحل فيه ، وكانت له فيه يد جيدة ، وفي التفسير والفقه والوعظ والبلاغة ، وكان دينا ورعا زاهدا ، قدم إلى دمشق في دولة الظاهر فأعطى تدريس الجاروضية وإمام مسجد ابن هشام ، ورتب له فيه شئ على المصالح ، وكان فيه إيثار وله أحوال صالحة ، ومكاشفات كثيرة ، تقدم يوما في محراب ابن هشام ليصلي بالناس فقال - قبل أن يكبر للاحرام والتفت عن يمينه - فقال : اخرج فاغتسل ، فلم يخرج أحد ، ثم كرر ذلك ثانية وثالثة ، قلم يخرج أحد ، فقال : يا عثمان أخرج فاغتسل ، فخرج رجل من الصف فاغتسل ثم عاد وجاء إلى الشيخ يعتذر إليه ، وكان الرجل صالحا في نفسه ، ذكر أنه أصابه فيض من غير أن يرى شخصا ، فاعتقد أنه لا يلزمه غسل ، فلما قال الشيخ ما قال اعتقد أنه يخاطب غيره ، فلما عينه باسمه علم أنه المراد . ثم قال الفاروثي مرة أخرى في أواخر أيام المنصور قلاوون فخطب بجامع دمشق مدة شهور ، ثم عزل بموفق الدين الحموي ، وتقدم ذكر ذلك ، وكان قد درس بالنجيبية وبدار الحديث الظاهرية ، فترك ذلك كله وسافر إلى وطنه ، فمات بكرة يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة ، وكان يوم موته يوما مشهودا بواسط ، وصلى عليه بدمشق وغيرهما رحمه الله ، وكان قد لبس خرقة التصوف من السهروردي ، وقرأ القراءات العشرة وخلف ألفي مجلد ومائتي مجلدا ، وحدث بالكثير ، وسمع منه البرزالي كثيرا صحيح البخاري وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ، ومسند الشافعي ، ومسند عبد بن حميد ، ومعجم الطبراني الصغير ، ومسند الدارمي وفضائل القرآن لأبي عبيد ، وثمانين جزء وغير ذلك . الجمال المحقق أحمد بن عبد الله بن الحسين الدمشقي ، اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي ، وبرع فيه وأفتى وأعاد ، وكان فاضلا في الطب ، وقد ولي مشيخة الدخوارية لتقدمه في صناعة الطب على غيره ، وعاد المرضى بالمارستان النوري على قاعدة الأطباء ، وكان مدرسا للشافعية بالفرخشانية ، ومعيدا بعدة مدارس ، وكان جيد الذهن مشاركا في فنون كثيرة سامحه الله . الست خاتون بنت الملك الأشرف موسى بن العادل زوجة ابن عمها المنصور بن الصالح إسماعيل بن العادل ، وهي التي أثبت سفهها زمن المنصور قلاوون حتى اشترى منها حزرما وأخذت الزنبقية من زين الدين السامري ( 3 ) .

--> ( 1 ) الفاروثي : نسبة إلى فاروث وهي قرية على شاطئ دجلة بين بلدتي واسط والمذار ( معجم البلدان ) . ( 2 ) في تذكرة النبيه 1 / 183 : مولده سنة اثني عشر وستمائة ، وفي السلوك 1 / 811 مات عن ثمانين سنة بواسط . ( 3 ) راجع حوادث سنة 686 ه‍ .