ابن كثير
395
البداية والنهاية
قلاوون ، وكان عمره إذ ذاك ثمان سنين وشهورا ( 1 ) ، فأجلسوه على سرير المملكة يوم الرابع عشر ( 2 ) من المحرم ، وكان الوزير ابن السلعوس بالإسكندرية ، وكان قد خرج في صحبة السلطان وتقدم هو إلى الإسكندرية فلم يشعر إلا وقد أحاط به البلاء ، وجاءه العذاب من كل ناحية ، وذلك أنه كان يعامل الامراء الكبار معاملة الصغار ، فأخذوه وتولى عقوبته من بينهم الشجاعي فضرب ضربا عظيما ، وقرر على الأموال ولم يزالوا يعاقبونه حتى كانت وفاته في عاشر صفر بعد أن احتيط على حواصله كلها . وأحضر جسد الأشرف فدفن بتربته ، وتألم الناس لفقده وأعظموا قتله ، وقد كان شهما شجاعا عالي الهمة حسن المنظر ، كان قد عزم على غزو العراق واسترجاع تلك البلاد من أيدي التتار ، واستعد لذلك ونادى به في بلاده ، وقد فتح في مدة ملكه - وكانت ثلاث سنين ( 4 ) - عكا وسائر السواحل ، ولم يترك للفرنج فيها معلما ولا حجرا ، وفتح قلعة الروم وبهسنا وغيرها . فلما جاءت بيعة الناصر إلى دمشق خطب له بها على المنابر ، واستقر الحال على ذلك ، وجعل الأمير كتبغا أتابكه ، والشجاعي مشاورا كبيرا ، ثم قتل بعد أيام بقلعة الجبل ، وحمل رأسه إلى كتبغا فأمر أن يطاف به في البلد ، ففرح الناس بذلك وأعطوا الذين حملوا رأسه مالا ، ولم يبق لكتبغا منازع ، ومع هذا كان يشاور الامراء تطييبا لقلوبهم . وفي صفر بعد موت ابن السلعوس عزل بدر الدين بن جماعة عن القضاء وأعيد تقي الدين ابن بنت الأعز واستمر ابن جماعة مدرسا بمصر في كفاية ورياسة ، وتولى الوزارة بمصر الصاحب تاج الدين بن الحنا ، وفي ظهر يوم الأربعاء الحادي والعشرين من صفر رتب إمام بمحراب الصحابة ، وهو كمال الدين عبد الرحمن بن القاضي محيي الدين بن الزكي ، وصلى بعدئذ بعد الخطيب ، ورتب بالمكتب الذي بباب الناطفانيين إمام أيضا ، وهو ضياء الدين بن برهان الدين الإسكندري ، وباشر نظر الجامع الشريف زين الدين حسين ين محمد بن عدنان ، وعاد سوق الحريريين إلى سوقه ، وأخلوا قيسارية القطن الذي كان نواب طغجي ألزموهم بسكناها ، وولي خطابة دمشق الشيخ العلامة شرف الدين أحمد بن جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد المقدسي ، بعد عزل موفق الدين الحموي دعوه إلى حماة فخطب المقدسي يوم الجمعة نصف رجب ، وقرئ تقليده وكانت ولايته بإشارة تاج الدين بن الحنا الوزير بمصر ، وكان فصيحا بليغا عالما بارعا .
--> ( 1 ) في السلوك 1 / 794 : تسع سنين سوا ، وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 378 : نحو تسع سنين . ( 2 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 378 : يوم الخميس ثامن عشر المحرم . وفي السلوك 1 / 1 / 794 : يوم السبت سادس عشر المحرم . ( 3 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 379 : خامس عشر صفر . ( 4 ) في السلوك 1 / 790 : ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيام وفي بدائع الزهور . وفي تذكرة النبيه 1 / 167 : ثلاث سنين وشهرين .