ابن كثير
389
البداية والنهاية
فلم يسقوا ثم ابتهل الناس من غير دعاية واستسقاية فسقوا ، ثم عزل الفاروثي بعد أيام بالخطيب موفق الدين أبي المعالي محمد بن محمد بن محمد بن عبد المنعم بن حسن المهراني الحموي ، كان خطيب حماه ثم نقل إلى دمشق في هذه السنة ، فقام وخطب وتألم الفاروثي لذلك ودخل على السلطان واعتقد أن الوزير عزله من غير علمه ، فإذا هو قد شعر لذلك واعتذر بأنه إنما عزله لضعفه ، فذكر له أنه يصلي ليلة النصف مائة ركعة بمائة قل هو الله أحد ، فلم يقبلوا واستمروا بالحموي . وهذه دناءة وقلة عقل وعدم إخلاص من الفاروثي ، وأصاب السلطان في عزله . وفي هذا اليوم قبض السلطان على الأمير سنقر الأشقر وغيره فهرب هو والأمير حسام الدين لاجين السلحداري ، فنادت عليه المنادية بدمشق من أحضره فله ألف دينار ، ومن أخفاه شنق ، وركب السلطان ومماليكه في طلبه ، وصلى الخطيب بالناس في الميدان الأخضر ، وعلى الناس كآبة بسبب تفرق الكلمة ، واضطراب الجيش ، واختبط الناس ، فلما كان سادس شوال أمسكت العرب سنقر الأشقر فردوه على السلطان فأرسله مقيدا إلى مصر . وفي هذا اليوم ولى السلطان نيابة دمشق لعز الدين أيبك الحموي ، عوضا عن الشجاعي ، وقدم الشجاعي من الروم ثاني يوم عزله فتلقاه الفاروثي فقال : قد عزلنا من الخطابة ، فقال ونحن من النيابة ، فقال الفاروثي ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) فلما بلغ ابن السلعوس تغضب عليه وكان قد عين له القيمرية فترك ذلك ، وسافر السلطان عاشر شوال إلى مصر فدخلها في أبهة الملك ، وفي يوم دخوله أقطع قراسنقر مائة فارس بمصر عوضا عن نيابة حلب ، وفي هذه السنة اشترى الأمير سيف الدين طغاي الأشقري قيسارية القطن المعروفة بإنشاء الملك المعظم بن العادل من بيت المال ، بمرسوم من السلطان ، وكان حظيا عنده ، ونقل سوق الحريريين تلك المدة إليها ، وكان السلطان قد أفرج عن علم الدين الدويداري بعد رجوعه من قلعة الروم واستحضره إلى دمشق وخلع عليه واستصحبه معه إلى القاهرة ، وأقطعه مائة فارس ، وولاه مشد الدواوين مكرها . وفي ذي القعدة استحضر السلطان سنقر الأشقر وطقصوا ( 1 ) فعاقبهما فاعترفا بأنهما أرادا قتله ، فسألهما عن لاجين فقالا : لم يكن معنا ولا علم له بهذا ، فخنقهما وأطلقه بعد ما جعل الوتر في حلقه ، وكان قد بقي له مدة لا بد أن يبلغها ، وقد ملك بعد ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى . وفي ذي الحجة عقد الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين عقده على بنت قاضي القضاة شهاب الدين الخويي بالبادرائية ، وكان حافلا . وفيها دخل الأمير سنقر الأعسر على بنت الوزير شمس الدين بن السلعوس على صداق ألف دينار ، وعجل لها خمسمائة ، وفيها قفز جماعة من التتر نحوا من ثلاثمائة إلى الديار المصرية فأكرموا .
--> ( 1 ) وهو الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا حمو لاجين .