ابن كثير

372

البداية والنهاية

وصلي عليه بالجامع ، ودفن من يومه بتربة جده ، وكان ناظرها ، وقد سمع الحديث الكثير ، وكان يحب أهله ، وكان فيه لطف وتواضع . الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي ، شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة ، وشيخ الصدرية ، كان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وزهادة وعبادة ، ولد سنة إحدى عشرة وستمائة ، وتوفي في رجب منها . ثم دخلت سنة تسع وثمانين وستمائة فيها كانت وفاة الملك المنصور قلاوون ، وكان الخليفة الحاكم العباسي ، ونائب مصر حسام الدين طرقطاي ( 1 ) ، ونائب الشام حسام الدين لاجين ، وقضاة الشام شهاب الدين بن الخوي الشافعي ، وحسام الدين الحنفي ، ونجم الدين بن شيخ الجبل ، وجمال الدين الزواوي المالكي ، وجاء البريد يطلب شمس الدين سنقر الأشقر إلى الديار المصرية ، فأكرمه السلطان وقواه وشد يده وأمره باستخلاص الأموال ، وزاده مشد الجيوش ، والكلام على الحصون إلى البيرة وكختا وغير ذلك ، فقويت نفسه وزاد تجبره ولكن كان يرجع إلى مروءة وستر وينفع من ينتمي إليه ، وذلك مودة في الدنيا في أيام قلائل ، وفي جمادى الآخرة جاء البريد بالكشف على ناصر الدين المقدسي وكيل بيت المال ، وناظر الخاص ، فظهرت عليه مخازي من أكل الأوقاف وغيرها ، فرسم عليه بالعذراوية وطولب بتلك الأموال وضيق عليه ، وعمل فيه سيف الدين أبو العباس السامري قصيدة يتشفى فيها لما كان أسدى إليه من الظلم والايذاء ، مع أنه راح إليه وتغمم له وتمازحا هنالك ، ثم جاء البريد بطلبه إلى الديار المصرية فخاف النواب من ذهابه ، فأصبح يوم الجمعة ( 2 ) وهو مشنوق بالمدرسة العذراوية ، فطلبت القضاة والشهود فشاهدوه كذلك ، ثم جهز وصلي عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر الصوفية عند أبيه ، وكان مدرسا بالرواحية وتربة أم الصالح ، مع الوكالتين والنظر . وجاء البريد بعمل مجانيق لحصار عكا فركب الأعسر ( 3 ) إلى أراضي بعلبك لما هنالك من

--> ( 1 ) في السلوك 1 / 751 : طرنطاي . ( 2 ) في السلوك 1 / 753 : يوم الجمعة ثالث شعبان . ( 3 ) وهو الأمير شمس الدين سنقر الأعسر ، وقد قام الأعسر بتجهيز لوازم الحرب بصفته شاد ديوان الجيش بدمشق ، وقد كلف هذه السنة ، فضلا عما بيده من مسؤوليات ، بوظيفة شد الحصون بسائر النيابات الشامية والساحل . ( السلوك 1 / 754 وانظر حاشية رقم 2 من نفس الصفحة ) .