ابن كثير

350

البداية والنهاية

ذلك ، ثم ترك ذلك كله وأقبل على العبادة وكتابة الحديث ، وكان يكتب سريعا يكتب في اليوم الواحد ثلاث كراريس وقد أسمع مسند الإمام أحمد ثلاث مرات ، وحدث بصحيح مسلم وجامع الترمذي وغير ذلك ، وسمع منه البرزالي والمزي وابن تيمية ، ودفن من يومه بسفح قاسيون عن ست ( 1 ) وثمانين سنة رحمهم الله جميعا . الشيخ صفي الدين أبو القاسم بن محمد بن عثمان بن محمد التميمي الحنفي ، شيخ الحنفية ببصرى ، ومدرس الأمينية بها مدة سنين كثيرة ، كان بارعا فاضلا عالما عابدا منقطعا عن الناس ، وهو والد قاضي القضاة صدر الدين علي ، وقد عمر دهرا طويلا ، فإنه ولد في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، وتوفي ليلة نصف شعبان من هذه السنة عن تسع وتسعين سنة رحمه الله . ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وستمائة استهلت والخليفة الحاكم بأمر الله والسلطان الملك المنصور قلاوون . وفيها أرسل ملك التتار أحمد إلى الملك المنصور يطلب منه المصالحة وحقن الدماء فيما بينهم ، وجاء في الرسلية الشيخ قطب الدين الشيرازي أحد تلامذة النصير الطوسي ، فأجاب المنصور إلى ذلك وكتب المكاتبات إلى ملك التتر بذلك ( 2 ) . وفي مستهل صفر قبض السلطان على الأمير الكبير بدر الدين بيسرى السعدي ، وعلى الأمير علاء الدين السعدي ( 3 ) الشمسي أيضا . وفيها درس القاضي بدر الدين بن جماعة بالقيمرية ، والشيخ شمس الدين بن الصفي الحريري بالسرحانية ، وعلاء الدين بن الزملكاني بالأمينية . وفي يوم الاثنين الحادي عشر من رمضان وقع حريق باللبادين عظيم ( 4 ) ، وحضر نائب السلطنة إذ ذاك الأمير حسام الدين لاجين السلحدار وجماعة كثيرة من الامراء ، وكانت ليلة هائلة جدا وقى الله شرها ، واستدرك بعد ذلك

--> ( 1 ) في تذكرة النبيه : سبع وثمانين ، وفي درة الأسلاك لابن حبيب ص 68 : كالأصل : ست وثمانين . ( 2 ) انظر نص خطاب أحمد تكدار إلى السلطان المنصور قلاوون وجوابه عليه في السلوك 1 / 977 ملحق رقم 7 . وفيها ثبت بالمصادر التي أخذ منها الخطابان . ( 3 ) في السلوك 1 / 706 : الأمير كشتغدي الشمسي ، وبعد اعتقالهما ، قال صاحب السلوك : فأغلق باب زويلة وعامة الأسواق . وارتجت القاهرة حتى نودي : من أغلق دكانه شنق ، ففتحت الأسواق . ( 4 ) ذكر النويري ( نهاية الإرب 29 / 280 أ ) سبب هذا الحريق في العبارة الآتية : " وكان سبب هذا الحريق ان بعض الذهبيين غسل ثوبه ونشره ، وجعل تحته مجمرة نار وتركها وتوجه للفطور ، فتعلقت النار بالثوب ، واتصلت ببارية كانت معلقة ، ومنها إلى السقف " والبارية حصيرة من القصب توضع في الدور للجلوس عليها .