ابن كثير

35

البداية والنهاية

عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، الشيخ الحافظ الواعظ جمال الدين أبو الفرج المشهور بابن الجوزي ، القرشي التيمي البغدادي الحنبلي ، أحد أفراد العلماء ، برز في علوم كثيرة ، وانفرد بها عن غيره ، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوا من ثلاثمائة مصنف ، وكتب بيده نحوا من مائتي مجلدة ( 1 ) ، وتفرد بفن الوعظ الذي لم يسبق إليه ولا يلحق شأوه فيه وفي طريقته وشكله ، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه ونفوذ وعظه وغوصه على المعاني البديعة ، وتقريبه الأشياء الغريبة فيما يشاهد من الأمور الحسية ، بعبارة وجيزة سريعة الفهم والادراك ، بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة ، هذا وله في العلوم كلها اليد الطولى ، والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنظر في النجوم والطب والفقه وغير ذلك من اللغة والنحو ، وله من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المكان عن تعدادها ، وحصر أفرادها ، منها كتابه في التفسير المشهور بزاد المسير ، وله تفسير أبسط منه ولكنه ليس بمشهور ، وله جامع المسانيد استوعب به غالب مسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم وجامع الترمذي ، وله كتاب المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم في عشرين مجلدا ، قد أوردنا في كتابنا هذا كثيرا منه من حوادثه وتراجمه ، ولم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخا ، وما أحقه بقول الشاعر : ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدا * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا وله مقامات وخطب ، وله الأحاديث الموضوعة ، وله العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ، وغير ذلك . ولد سنة عشر وخمسمائة ، ومات أبوه وعمره ثلاث سنين ، وكان أهله تجارا في النحاس ، فلما ترعرع جاءت به عمته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ ، فلزم الشيخ وقرأ عليه وسمع عليه الحديث وتفقه بابن الزاغوني ، وحفظ الوعظ ووعظ وهو ابن عشرين سنة أو دونها ، وأخذ اللغة عن أبي منصور الجواليقي ، وكان وهو صبي دينا مجموعا على نفسه لا يخالط أحدا ولا يأكل ما فيه شبهة ، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة ، وكان لا يلعب مع الصبيان ، وقد حضر مجلس وعظه الخلفاء والوزراء والملوك والامراء والعلماء والفقراء ، ومن سائر صنوف بني آدم ، وأقل ما كان يجتمع في مجلس وعظه عشرة آلاف ، وربما اجتمع فيه مائة ألف أو يزيدون ، وربما تكلم من خاطره على البديهة نظما ونثرا ، وبالجملة كان أستاذا فردا في الوعظ وغيره ، وقد كان فيه بهاء وترفع في نفسه وإعجاب وسمو بنفسه أكثر من مقامه ، وذلك ظاهر في كلامه في نثره ونظمه ، فمن ذلك قوله : ما زلت أدرك ما غلا بل ما علا * وأكابد النهج العسير الاطولا تجري بي الآمال في حلباته * جري السعيد مدى ما أملا أفضى بي التوفيق فيه إلى الذي * أعيا سواي توصلا وتغلغلا

--> ( 1 ) انظر تذكرة الحفاظ ص 1343 فقد ذكر فيها تصانيف أبي الفرج بن الجوزي .