ابن كثير

346

البداية والنهاية

أكثرهم ، ونزل إليهم أهل البيرة فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا آخرين ، والجيوش في آثارهم يطردونهم عن البلاد حتى أراح الله منهم الناس . وقد استشهد في هذه الوقعة جماعة من سادات الامراء منهم الأمير الكبير الحاج عز الدين ازدمر جمدار ، وهو الذي جرح ملك التتار يومئذ منكوتمر ، فإنه خاطر بنفسه وأوهم أنه مقفز إليه وقلب رمحه حتى وصل إليه فطعنه فجرحه فقتلوه رحمه الله ، ودفن بالقرب من مشهد خالد . وخرج السلطان من دمشق قاصدا الديار المصرية يوم الأحد ثاني شعبان والناس يدعون له ، وخرج معه علم الدين الدويداري ، ثم عاد من غزة وقد ولاه المشد في الشام والنظر في المصالح ، ودخل السلطان إلى مصر في ثاني عشر ( 1 ) شعبان . وفي سلخ ( 2 ) شعبان ولي قضاء مصر والقاهرة للقاضي وجيه الدين البهنسي الشافعي ، وفي يوم الأحد سابع رمضان فتحت المدرسة الجوهرية بدمشق في حياة منشئها وواقفها الشيخ نجم الدين محمد بن عباس بن أبي المكارم التميمي الجوهري ، ودرس بها قاضي الحنفية حسام الدين الرازي . وفي بكرة يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان وقعت مأذنة مدرسة أبي عمر بقاسيون على المسجد العتيق فمات شخص واحد ، وسلم الله تعالى بقية الجماعة . وفي عاشر رمضان وقع بدمشق ثلج عظيم وبرد كثير مع هواء شديد ، بحيث أنه ارتفع عن الأرض نحوا من ذراع ، وفسدت الخضراوات ، وتعطل على الناس معايش كثيرة . وفي شوال وصل صاحب سنجار إلى دمشق مقفزا من التتار داخلا في طاعة السلطان بأهله وماله ، فتلقاه نائب البلد وأكرمه وسيره إلى مصر معززا مكرما . وفي شوال عقد مجلس بسبب أهل الذمة من الكتاب الذين كانوا قد أسلموا كرها وقد كتب لهم جماعة من المفتيين بأنهم كانوا مكرهين فلهم الرجوع إلى دينهم ، وأثبت الاكراه بين يدي القاضي جمال الدين بن أبي يعقوب المالكي ، فعاد أكثرهم إلى دينهم وضربت عليهم الجزية كما كانوا ، سود الله وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه . وقيل : إنهم غرموا مالا جزيلا جملة مستكثرة على ذلك ، قبحهم الله . وفي ذي القعدة قبض السلطان على أيتمش السعدي وسجنه بقلعة الجبل ، وقبض نائبه بدمشق على سيف الدين بلبان الهاروني وسجنه بقلعتها . وفي بكرة الخميس التاسع والعشرين من ذي القعدة ، وهو العاشر من أذار ، استسقى الناس بالمصلى بدمشق فسقوا بعد عشرة أيام . وفي هذه السنة أخرج الملك المنصور جميع آل الملك الظاهر من النساء والولدان والخدام من الديار المصرية إلى الكرك ليكونوا في كنف الملك المسعود خضر بن الظاهر .

--> ( 1 ) في السلوك 1 / 701 : ثاني عشريه . ( 2 ) في السلوك 1 / 702 : سابع عشري شعبان ، وهو وجيه الدين عبد الوهاب بن حسين المهلبي .