ابن كثير
343
البداية والنهاية
ثم دخلت سنة ثمانين وستمائة من الهجرة استهلت والخليفة الحاكم وسلطان البلاد الملك المنصور قلاوون . وفي عاشر المحرم انعقدت الهدنة ( 1 ) بين أهل عكا والمرقب والسلطان ، وكان نازلا على الروحاء ( 2 ) وقد قبض على جماعة من الامراء ممن كان معه ، وهرب آخرون إلى قلعة صهيون إلى خدمة سنقر الأشقر ، ودخل المنصور إلى دمشق في التاسع عشر من المحرم فنزل القلعة وقد زينت له البلد ، وفي التاسع ( 3 ) والعشرين من المحرم أعاد القضاء إلى عز الدين بن الصائغ وعزل ابن خلكان . وفي أول صفر باشر قضاء الحنابلة نجم الدين بن الشيخ شمس بن أبي عمر ، وقد كان المنصب شاغرا منذ عزل والده نفسه عن القضاء ، وتولى قضاء حلب في هذا الشهر تاج الدين يحيى بن محمد بن إسماعيل الكردي ، وجلس الملك المنصور في دار العدل في هذا الشهر فحكم وأنصف المظلوم من الظالم ، وقدم عليه صاحب حماه فتلقاه المنصور بنفسه في موكبه ، ونزل بداره بباب الفراديس . وفي ربيع الأول وقع الصلح بين الملك المنصور قلاوون وبين سنقر الأشقر الملك الكامل على أن يسلم للسلطان شيزر ويعوضه عنها بأنطاكية وكفر طاب وشغر بكأس وغير ذلك ، وعلى أن يقيم على ما بيده ستمائة فارس ( 4 ) ، وتحالفا على ذلك ( 5 ) ، ودقت البشائر لذلك ، وكذلك تصالح صاحب الكرك والملك المنصور خضر بن الظاهر على تقرير ما بيده ونودي بذلك في البلاد . وفي العشر الأول من هذا الشهر ضمن الخمر والزنا بدمشق ، وجعل عليه ديوان ومشد ، فقام في إبطال ذلك جماعة من العلماء والصلحاء والعباد ، فأبطل بعد عشرين يوما ، وأريقت الخمور وأقيمت الحدود ولله الحمد والمنة . وفي تاسع عشر ربيع الأول وصلت الخاتون بركة خان زوجة الملك الظاهر ومعها ولدها السعيد قد نقلته من قرية المساجد بالقرب من الكرك لتدفنه عند أبيه بالتربة الظاهرية ، فرفع بحبال من السور ودفن عند والده الظاهر ، ونزلت أمه بدار صاحب حمص ، وهيئت لها الإقامات ،
--> ( 1 ) لمدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات ، أولها يوم السبت ثاني عشرين المحرم ( السلوك 1 / 685 ) . ( 2 ) الروحاء ، وترسم الروحا دون همزة في آخرها ، وهي بلد بالساحل من فلسطين . ( 3 ) في السلوك 1 / 686 : في ثاني عشري المحرم . ( 4 ) في هامش السلوك 1 / 687 علق على شرط سنقر قال : " هذا الشرط يوجب الالتفات ، إذ المعروف أن مرتبة أمير مائة كانت أعلى مراتب الامراء في دولة المماليك ، وربما زيد حاملها العشرة أو العشرين فارسا من المماليك أو أكثر ، فيكون أمير ثلاثمائة وهذا لا يتأتى إلا إذا أعطاه السلطان اقطاعا جديدا زيادة على ما بيده بمصر أو بالشام ، فعلى هذا فإن الأمير سنقر طلب إلى السلطان أن يعطيه اقطاعات مساوية لما يعطيه لستة من أكابر الامراء . ( 5 ) وأورد صاحب السلوك شرطا آخر للأمير سنقر لم يوافقه عليه السلطان ، وهو : أن ينعته في التقليد بلفظ الملك ولم يجبه إليه فنعته بالأمير ( نهاية الإرب 29 / 270 ب ) .