ابن كثير
336
البداية والنهاية
الأمور ، وبعد عنه الامراء الكبار ، فغضبت طائفة منهم ونابذوه وفارقوه وأقاموا بطريق العساكر الذين توجهوا إلى سيس وغيرهم ، فرجعت العساكر إليهم فلما اجتمعوا شعثوا قلوبهم على الملك السعيد ، ووحشوا خواطر الجيش عليه ، وقالوا : الملك لا ينبغي له أن يلعب ويلهو ، وإنما همة الملوك في العدل ومصالح المسلمين والذب عن حوزتهم ، كما كان أبوه . وصدقوا فيما قالوا ، فإن لعب الملوك والامراء وغيرهم دليل على زوال النعم وخراب الملك ، وفساد الرعية . ثم راسله الجيش في إبعاد الخاصكية عنه ودنو ذوي الأحلام والنهي إليه كما كان أبوه ، فلم يفعل ، وذلك أنه كان لا يمكنه ذلك لقوة شوكة الخاصكية وكثرتهم ، فركب الجيش وساروا قاصدين مرج الصفر ، ولم يمكنهم العبور على دمشق بل أخذوا من شرقها ، فلما اجتمعوا كلهم بمرج الصفر أرسل السلطان أمه إليهم فتلقوها وقبلوا الأرض بين يديها ، فأخذت تتألفهم وتصلح الأمور ، فأجابوها واشترطوا شروطا على ولدها السلطان ، فلما رجعت إليه لم يلتزم بها ولم تمكنه الخاصكية من ذلك ، فسارت العساكر إلى الديار المصرية ، فساق السلطان خلفهم ليتلافى الأمور قبل تفاقمها وانفراطها ، فلم يلحقهم وسبقوه إلى القاهرة ، وقد كان أرسل أولاده وأهله وثقله إلى الكرك فحصنهم فيها ، وركب في طائفة من الجيش الذين بقوا معه والخاصكية إلى الديار المصرية ، فلما اقترب منها صدوه عنها وقاتلوه فقتل من الفريقين نفر يسير ، فأخذه بعض الامراء فشق به الصفوف وأدخله قلعة الجبل ليسكن الامر ، فما زادهم ذلك إلا نفورا ، فحاصروا حينئذ القلعة وقطعوا عنها الماء ، وجرت خطوب طويلة وأحوال صعبة . ثم اتفق الحال بعد ذلك مع الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي - وهو المشار إليه حينئذ - أن يترك الملك السعيد الملك ويتعوض بالكرك والشوبك ، ويكون في صحبته أخوه نجم الدين خضر ، وتكون المملكة إلى أخيه الصغير بدر الدين سلامش ، ويكون الأمير سيف الدين قلاوون أتابكه . خلع الملك السعيد وتولية أخيه الملك العادل سلامش لما اتفق الحال على ما ذكرنا نزل السلطان الملك السعيد من القلعة إلى دار العدل في سابع عشر الشهر ( 1 ) ، وهو ربيع الآخر ، وحضر القضاة والدولة من أولي الحل والعقد ، فخلع السعيد نفسه من السلطنة وأشهدهم على نفسه بذلك ، وبايعوا أخاه بدر الدين سلامش ولقب بالملك العادل ، وعمره يومئذ سبع سنين ( 2 ) ، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي ، وخطب له الخطباء ورسمت السكة باسمهما ، وجعل لأخيه الكرك ولأخيه خضر
--> ( 1 ) في السلوك 1 / 3 / 663 : سابع شهر ربيع الآخرة . ( 2 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 346 : سبع سنين ونصف . وفي ابن خلدون 5 / 394 : ثمان سنين . وفي مختصر أبي الفداء 4 / 12 : سبع سنين وشهور .