ابن كثير

33

البداية والنهاية

ويأكلها وشاع هذا بينهم بلا إنكار ولا شكوى ، بل يعذر بعضهم بعضا ، ووجد عند بعضهم أربعمائة رأس وهلك كثير من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى ، فكانوا يذبحون ويؤكلون ، كان الرجل يستدعي الطبيب ثم يذبحه ويأكله ، وقد استدعى رجل طبيبا حاذقا وكان الرجل موسرا من أهل المال ، فذهب الطبيب معه على وجل وخوف ، فجعل الرجل يتصدق على من لقيه في الطريق ويذكر الله ويسبحه ، ويكثر من ذلك ، فارتاب به الطبيب وتخيل منه ، ومع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه حتى دخل داره ، فإذا هي خربة فارتاب الطبيب أيضا فخرج صاحبه فقال له : ومع هذا البطء جئت لنا بصيد ، فلما سمعها الطبيب هرب فخرجا خلفه سراعا فما خلص إلا بعد جهد وشر . وفيها وقع وباء شديد ببلاد عنزة بين الحجاز واليمن ، وكانوا عشرين قرية ، فبادت منها ثماني عشرة لم يبق فيها ديار ولا نافخ نار ، وبقيت أنعامهم وأموالهم لا قاني لها ، ولا يستطيع أحد أن يسكن تلك القرى ولا يدخلها ، بل كان من اقترب إلى شئ من هذه القرى هلك من ساعته ، نعوذ بالله من بأس الله وعذابه ، وغضبه وعقابه ، أما القريتان الباقيتان فإنهما لم يمت منهما أحد ولا عندهم شعور بما جرى على من حولهم ، بل هم على حالهم لم يفقد منهم أحد فسبحان الحكيم العليم . واتفق باليمن في هذه السنة كائنة غريبة جدا ، وهي أن رجلا يقال له عبد الله بن حمزة العلوي كان قد تغلب على كثير من بلاد اليمن ، وجمع نحوا من اثني عشر ألف فارس ، ومن الرجالة جمعا كثيرا ، وخافه ملك اليمن إسماعيل بن طغتكين بن أيوب ، وغلب على ظنه زوال ملكه على يدي هذا الرجل ، وأيقن بالهلكة لضعفه عن مقاومته ، واختلاف أمرائه معه في المشورة ، فأرسل الله صاعقة فنزلت عليهم فلم يبق منهم سوى طائفة من الخيالة والرجالة ، فاختلف جيشه فيما بينهم فغشيهم المعز فقتل منهم ستة آلاف ، واستقر في ملكه آمنا . وفيها تكاتب الاخوان الأفضل من صرخد والظاهر من حلب على أن يجتمعا على حصار دمشق وينزعاها من المعظم بن العادل ، وتكون للأفضل ، ثم يسيرا إلى مصر فيأخذاها من العادل وابنه الكامل اللذين نقضا العهد وأبطلا خطبة المنصور ، ونكثا المواثيق ، فإذا أخذا مصر كانت للأفضل وتصير دمشق مضافة إلى الظاهر مع حلب ، فلما بلغ العادل ما تمالا عليه أرسل جيشا مددا لابنه المعظم عيسى إلى دمشق ، فوصلوا إليها قبل وصول الظاهر وأخيه إليها ، وكان وصولهما إليها في ذي القعدة من ناحية بعلبك ، فنزلا على مسجد القدم واشتد الحصار للبلد ، وتسلق كثير من الجيش من ناحية خان القدم ، ولم يبق إلا فتح البلد ، لولا هجوم الليل ، ثم إن الظاهر بدا له في كون دمشق للأفضل فرأى أن تكون له أولا ، ثم إذا فتحت مصر تسلمها الأفضل ، فأرسل إليه في ذلك فلم يقبل الأفضل ، فاختلفا وتفرقت كلمتهما ، وتنازعا الملك بدمشق ، فتفرقت الامراء