ابن كثير

324

البداية والنهاية

الأولاد عشرة : ثلاثة ذكور ( 1 ) وسبع ( 2 ) إناث ومات وعمره ما بين الخمسين إلى الستين ، وله أوقاف وصلات وصدقات ، تقبل الله منه الحسنات ، وتجاوز له عن السيئات والله سبحانه أعلم . وقام في الملك بعده ولده السعيد بمبايعة أبيه له في حال حياته ، وكان عمر السعيد يومئذ دون العشرين ( 3 ) سنة ، وهو من أحسن الاشكال وأتم الرجال ، وفي صفر وصلت الهدايا من الفنس مع رسله إلى الديار المصرية فوجدا السلطان قد مات ، وقد أقيم الملك السعيد ولده مكانه والدولة لم تتغير ، والمعرفة بعده ما تنكرت ، ولكن البلاد قد فقدت أسدها بل أسدها وأشدها ، بل الذي بلغ أشدها ، وإذا انفتحت ثغرة من سور الاسلام سدها ، وكلما انحلت عقدة من عرى العزائم شدها ، وكلما رامت فرقة مارقة من طوائف الطغام أن تلج إلى حومة الاسلام صدها وردها ، فسامحه الله ، وبل بالرحمة ثراه ، وجعل الجنة متقلبه ومثواه . وكانت العساكر الشامية قد سارت إلى الديار المصرية ومعهم محفة يظهرون أن السلطان بها مريض ، حتى وصلوا إلى القاهرة فجددوا البيعة للسعيد بعدما أظهروا موت الملك السديد الذي هو إن شاء الله شهيد . وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر خطب في جميع الجوامع بالديار المصرية للملك السعيد ، وصلى على والده الملك الظاهر واستهلت عيناه بالدموع . وفي منتصف ربيع الأول ركب الملك السعيد بالعصائب على عادته وبين يديه الجيش بكماله المصري والشامي ، حتى وصل إلى الجبل الأحمر وفرح الناس به فرحا شديدا ، وعمره يومئذ تسع عشرة سنة ، وعليه أبهة الملك ورياسة السلطنة . وفي يوم الاثنين رابع جمادى الأولى فتحت مدرسة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقاني بالقاهرة ، بحارة الوزيرية على مذهب أبي حنيفة . وعمل فيها مشيخة حديث وقارئ . وبعده بيوم عقد عقد ابن الخليفة المستمسك بالله بن الحاكم بأمر الله ، على ابنة الخليفة المستنصر بن الظاهر ، وحضر والده والسلطان ووجوه الناس . وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى شرع في بناء الدار التي تعرف بدار العقيقي ، تجاه العادلية ، لتجعل مدرسة وتربة للملك الظاهر ، ولم تكن قبل ذلك إلا دارا للعقيقي ، وهي المجاورة لحمام العقيقي ، وأسس أساس التربة في خامس جمادى الآخرة وأسست المدرسة أيضا . وفي رمضان طلعت سحابة عظيمة بمدينة صفت لمع منها برق شديد ، وسطع منها لسان نار ، وسمع منها صوت شديد هائل ، ووقع منها على منارة صفت صاعقة شقتها من أعلاها إلى أسفلها شقا يدخل الكف فيه .

--> ( 1 ) ذكر ابن شداد في تاريخه 2 / 226 : الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة - ونجم الدين خضر ، والعادل بدر الدين سلامش ، وولدين ماتا طفلين في شهر واحد سنة 668 - ولكل واحد سنتان . ( 2 ) في الأصل : سبعة . ( 3 ) كان مولده في صفر سنة 658 ه‍ ، أمه بنت حسام الدين بركة خان بن دولة خان الخوارزمي .