ابن كثير

286

البداية والنهاية

من قضاة الأطراف والمتحاكمين إليه ، إلا أنه كان جوادا كريما صودر هو وأهله . ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة استهلت والخليفة الحاكم العباسي والسلطان الملك الظاهر وقضاة مصر أربعة . وفيها جعل بدمشق أربعة قضاة من كل مذهب قاض كما فعل مصر عام أول ، ونائب الشام آقوش النجيبي ، وكان قاضي قضاة الشافعية ابن خلكان ، والحنفية شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطا والحنابلة شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر ، والمالكية عبد السلام بن الزواوي ، وقد امتنع من الولاية فألزم بها حتى قبل ثم عزل نفسه ، ثم ألزم بها فقبل بشرط أن لا يباشر أوقافا ولا يأخذ جامكية على أحكامه ، وقال : نحن في كفاية فأعفي من ذلك أيضا رحمهم الله . وقد كان هذا الصنيع الذي لم يسبق إلى مثله قد فعل في العام الأول بمصر كما تقدم ، واستقرت الأحوال على هذا المنوال . وفيها كمل عمارة الحوض الذي شرقي قناة باب البريد وعمل له شاذروان وقبة وأنابيب يجري منها الماء إلى جانب الدرج الشمالية . وفيها نازل الظاهر صفد واستدعى بالمنجانيق من دمشق وأحاط بها ولم يزل حتى افتتحها ، ونزل أهلها على حكمه ، فتسلم البلد في يوم الجمعة ثامن عشر شوال ( 1 ) ، وقتل المقاتلة وسبى الذرية ، وقد افتتحها الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب في شوال أيضا في أربع وثمانين وخمسمائة ، ثم استعادها الفرنج فانتزعها الظاهر منهم قهرا في هذه السنة ولله الحمد ، وكان السلطان الظاهر في نفسه منهم شئ كثير ، فلما توجه إلى فتحها طلبوا الأمان ، فأجلس على سرير مملكته الأمير سيف الدين كرمون التتري ، وجاءت رسلهم فخلعوه وانصرفوا ولا يشعرون أن الذي أعطاهم العهود بالأمان إنما هو الأمير الذي أجلسه على السرير والحرب خدعة ، فلما خرجت الاسبتارية والداوية من القلعة وقد فعلوا بالمسلمين الأفاعيل القبيحة ، فأمكن الله منهم فأمر السلطان بضرب رقابهم عن آخرهم ، وجاءت البريدية إلى البلاد بذلك ، فدقت البشائر وزينت البلاد ، ثم بث السرايا يمينا وشمالا في بلاد الفرنج فاستولى المسلمون على حصون كثيرة تقارب عشرين حصنا ، وأسروا قريبا من ألف أسير ما بين امرأة وصبي ، وغنموا شيئا كثيرا . وفيها قدم ولد الخليفة المستعصم بن المستنصر من الأسر واسمه علي ، فأكرم وأنزل بالدار الأسدية تجاه العزيزية ، وقد كان أسيرا في أيدي التتار ، فلما كسرهم بركه خان تخلص من أيديهم وسار إلى دمشق ، ولما فتح السلطان صفدا أخبره بعض من كان فيها من أسرى المسلمين أن سبب

--> ( 1 ) في تاريخ أبي الفداء 4 / 3 تاسع عشر شعبان ، وفي الروض الزاهر : ص 260 : مستهل ثامن عشر شوال .