ابن كثير
283
البداية والنهاية
بعد أيام جاء الرجل الذي اشتراها فقال : يا سيدي إن الدابة التي اشتريتها منك لا تأكل عندي شيئا ، فنظر إليه الشيخ فقال له : ماذا تعاني من الأسباب ؟ فقال رقاص عند الوالي ، فقال له : إن دابتنا لا تأكل الحرام ، ودخل منزله فأعطاه دراهم ومعها دراهم كثيرة قد اختلطت بها فلا تميز ، فاشترى الناس من الرقاص كل درهم بثلاثة لأجل البركة ، وأخذ دابته ، ولما توفي ترك من الأساس ما يساوي خمسين درهما فبيع بمبلغ عشرين ألفا . قال أبو شامة : وفي الرابع والعشرين من ربيع الآخر توفي : محيي الدين عبد الله بن صفي الدين إبراهيم بن مرزوق بداره بدمشق المجاورة للمدرسة النورية رحمه الله تعالى . قلت : داره هذه هي التي جعلت مدرسة للشافعية وقفها الأمير جمال الدين آقوش النجيبي التي يقال لها النجيبية تقبل الله منه . وبها إقامتنا جعلها الله دارا تعقبها دار القرار في الفوز العظيم . وقد كان أبو جمال الدين النجيبي وهو صفي الدين وزير الملك الأشرف ، وملك من الذهب ستمائة ألف دينار خارجا عن الأملاك والأثاث والبضائع ، وكانت وفاة أبيه بمصر سنة تسع وخمسين ، ودفن بتربته عند المقطم . قال أبو شامة : وجاء الخبر من مصر بوفاة الفخر عثمان المصري المعروف بعين غين . وفي ثامن عشر ذي الحجة توفي الشمس الوبار الموصلي ، وكان قد حصل شيئا من علم الأدب ، وخطب بجامع المزة مدة فأنشدني لنفسه في الشيب وخضابه قوله : وكنت وإياها مذ اختط عارضي * كروحين في جسم وما نقضت عهدا فلما أتاني الشيب يقطع بيننا * توهمته سيفا فألبسته غمدا وفيها استحضر الملك هولاكو خان الزين الحافظي وهو سليمان بن عامر العقرباني المعروف بالزين الحافظي ، وقال له : قد ثبت عندي خيانتك ، وقد كان هذا المغتر لما قدم التتار مع هولاكو دمشق وغيرها مالا على المسلمين وآذاهم ودل على عوراتهم ، حتى سلطهم الله عليه بأنواع العقوبات والمثلات ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) [ الانعام : 129 ] ومن أعان ظالما سلط عليه ، فإن الله ينتقم من الظالم بالظالم ثم ينتقم من الظالمين جميعا ، نسأل الله العافية من انتقامه وغضبه وعقابه وشر عباده . ثم دخلت سنة ثلاث وستين وستمائة فيها جهز السلطان الظاهر عسكرا جما كثيفا إلى ناحية الفرات لطرد التتار النازلين بالبيرة ، فلما سمعوا بالعساكر قد أقبلت ولوا مدبرين ، فطابت تلك الناحية وأمنت تلك المعاملة ، وقد كانت قبل ذلك لا تسكن من كثرة الفساد والخوف ، فعمرت وأمنت .