ابن كثير

28

البداية والنهاية

الخطبة والسكة باسم أخيه المنصور ، والعادل مستقل بالأمور ، واستوزر الصاحب صفي الدين بن شكر لصرامته وشهامته ، وسيادته وديانته ، وكتب العادل إلى ولده الكامل يستدعيه من بلاد الجزيرة ليملكه على مصر ، فقدم عليه فأكرمه واحترمه وعانقه والتزمه ، وأحضر الملك الفقهاء واستفتاهم في صحة مملكة ابن أخيه المنصور بن العزيز ، وكان ابن عشر سنين ، فأفتوا بأن ولايته لا تصح لأنه متولي عليه ، فعند ذلك طلب الامراء ودعاهم إلى مبايعته فامتنعوا فأرغبهم وأرهبهم ، وقال فيما قال : قد سمعتم ما أفتى به العلماء ، وقد علمتم أن ثغور المسلمين لا يحفظها الأطفال الصغار ، وإنما يحفظها الملوك الكبار ، فأذعنوا عند ذلك وبايعوه ، ثم من بعده لولده الكامل ، فخطب الخطباء بذلك بعد الخليفة لهما ، وضربت السكة باسمهما ، واستقرت دمشق باسم المعظم عيسى بن العادل ، ومصر باسم الكامل . وفي شوال رجع إلى دمشق الأمير ملك الدين أبو منصور سليمان بن مسرور بن جلدك ، وهو أخو الملك العادل لامه ، وهو واقف الفلكية داخل باب الفراديس ، وبها قبره ، فأقام بها محترما معظما إلى أن توفي في هذه السنة . وفيها وفي التي بعدها كان بديار مصر غلاء شديد ، فهلك بسببه الغني والفقير ، وهرب الناس منها نحو الشام فلم يصل إليها إلا القليل ، وتخطفهم الفرنج من الطرقات وغروهم من أنفسهم واغتالوهم بالقليل من الأقوات ، وأما بلاد العراق فإنه كان مرخصا . قال ابن الساعي : وفي هذه السنة باض ديك ببغداد فسألت جماعة عن ذلك فأخبروني به . وممن توفي فيها من الأعيان : السلطان علاء الدين خوارزم شاه تكش بن ألب رسلان من ولد طاهر بن الحسين ، وهو صاحب خوارزم وبعض بلاد خراسان والري وغيرها من الأقاليم المتسعة ، وهو الذي قطع دولة السلاجقة ، كان عادلا حسن السيرة له معرفة جيدة بالموسيقى ، حسن المعاشرة ، فقيها على مذهب أبي حنيفة ، ويعرف الأصول ، وبنى للحنفية مدرسة عظيمة ، ودفن بتربة بناها بخوارزم ، وقام في الملك من بعده ولده علاء الدين محمد ، وكان قبل ذلك يلقب بقطب الدين . وفيها قتل وزير السلطان خوارزم شاه المذكور : نظام الدين مسعود بن علي وكان حسن السيرة ، شافعي المذهب ، له مدرسة عظيمة بخوارزم ، وجامع هائل ، وبنى بمرو جامعا عظيما للشافعية ، فحسدتهم الحنابلة ( 1 ) وشيخهم بها يقال له شيخ الاسلام ، فيقال إنهم

--> ( 1 ) كذا بالأصل وابن الأثير ، وفي هامش المطبوعة : لعله الحنفية فإنه ليس بمرو حنابلة والله سبحانه أعلم .