ابن كثير
276
البداية والنهاية
سجال والعاقبة للمتقين ، والدهر يومان والاجر للمؤمنين ، جمع الله على الهدى ( 1 ) أمركم ، وأعز بالايمان نصركم ، واستغفر الله لي ولسائر المسلمين ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم " . ثم خطب الثانية ( 2 ) ونزل فصلى . وكتب بيعته إلى الآفاق ليخطب له وضربت السكة باسمه . قال أبو شامة : فخطب له بجامع دمشق وسائر الجوامع يوم الجمعة سادس عشر المحرم من هذه السنة . وهذا الخليفة هو التاسع والثلاثون من خلفاء بني العباس ، ولم يل الخلافة من بني العباس من ليس والده وجده خليفة بعد السفاح والمنصور سوى هذا ، فأما من ليس والده خليفة فكثير منهم المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم ، والمعتضد بن طلحة بن المتوكل ، والقادر بن إسحاق بن المقتدر ، والمقتدي بن الذخيرة بن القائم بأمر الله . ذكر أخذ الظاهر الكرك وإعدام صاحبها ركب الظاهر من مصر ( 3 ) في العساكر المنصورة قاصدا ناحية بلاد الكرك ، واستدعى صاحبها الملك المغيث عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل ، فلما قدم عليه بعد جهد أرسله إلى مصر معتقلا فكان آخر العهد به ، وذلك أنه كاتب هولاكو وحثه على القدوم إلى الشام مرة أخرى ، وجاءته كتب التتار بالثبات ونيابة البلاد ، وأنهم قادمون عليه عشرون ألفا لفتح الديار المصرية ، وأخرج السلطان فتاوى الفقهاء بقتله وعرض ذلك على ابن خلكان ، وكان قد استدعاه من دمشق ، وعلى جماعة من الامراء ، ثم سار فتسلم الكرك يوم الجمعة ثالث عشر ( 4 ) جمادى الأولى ودخلها يومئذ في أبهة الملك ، ثم عاد إلى مصر مؤيدا منصورا . وفيها قدمت رسل بركه خان إلى الظاهر يقول له : قد علمت محبتي للاسلام ، وعلمت ما فعل هولاكو بالمسلمين ، فاركب أنت من ناحية حتى آتيه أنا من ناحية حتى نصطلمه أو نخرجه من البلاد وأعطيك جميع ما كان بيده من البلاد ، فاستصوب الظاهر هذا الرأي وشكره وخلع على رسله وأكرمهم . وفيها زلزلت الموصل زلزلة عظيمة وتهدمت أكثر دورها ، وفي رمضان جهز الظاهر صناعا وأخشابا وآلات كثيرة لعمارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حريقه فطيف بتلك الأخشاب والآلات بمصر فرحة وتعظيما لشأنها ، ثم ساروا بها إلى المدينة النبوية ، وفي شوال سار الظاهر إلى
--> ( 1 ) في الروض الزاهر : التقوى . ( 2 ) نص الخطبة الثانية في الروض الزاهر ص 145 . ( 3 ) في الروض الزاهر ص 149 : في سابع شهر ربيع الآخرة ، وفي تاريخ أبي الفداء : حادي عشر ربيع الآخرة . ( 4 ) في تاريخ أبي الفداء والروض الزاهر : سابع وعشرين .