ابن كثير

263

البداية والنهاية

شيخا كبيرا قد أسن وكان يميل إلى دين النصارى ولكن لا يمكنه الخروج من حكم جنكيزخان في الياساق ( 1 ) . قال الشيخ قطب الدين اليونيني : وقد رأيته ببعلبك حين حاصر قلعتها ، وكان شيخا حسنا له لحية طويلة مسترسلة قد ضفرها مثل الدبوقة ، وتارة يعلقها من خلفه بأذنه ، وكان مهيبا شديد السطوة ، قال : وقد دخل الجامع فصعد المنارة ليتأمل القلعة منها ، ثم خرج من الباب الغربي فدخل دكانا خرابا فقضى حاجته والناس ينظرون إليه وهو مكشوف العورة ، فلما فرغ من حاجته مسحه بعض أصحابه بقطن ملبد مسحة واحدة . قال ولما بلغه خروج المظفر بالعساكر من مصر تلوم في أمره وحار ماذا يفعل ، ثم حملته نفسه الأبية على لقائه ، وظن أنه منصور على جاري عادته ، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها ثم أيد الله المسلمين وثبتهم في المعركة فحملوا حملة صادقة على التتار فهزموهم هزيمة لا تجبر أبدا ، وقتل أميرهم كتبغانوين في المعركة وأسر ابنه ، وكان شابا حسنا ، فأحضر بين يدي المظفر قطز فقال له أهرب أبوك ؟ قال : إنه لا يهرب ، فطلبوه فوجدوه بين القتلى ، فلما رآه ابنه صرخ وبكى ، فلما تحققه المظفر سجد لله تعالى ثم قال : أنام طيبا . كان هذا سعادة التتار وبقتله ذهب سعدهم ، وهكذا كان كما قال ولم يفلحوا بعده أبدا ، وكان قتله يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان ، وكان الذي قتله الأمير آقوش الشمسي رحمه الله . الشيخ محمد الفقيه اليونيني الحنبلي البعلبكي الحافظ ، هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرجال أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق ، كذا نقل هذه النسبة الشيخ قطب الدين اليونيني من خط أخيه الأكبر أبي الحسين علي وأخبره أن والده قال له نحن من سلالة جعفر الصادق ، قال وإنما قال له هذا عند الموت ليتخرج من قبول الصدقات . أبو عبد الله بن أبي الحسين اليونيني الحنبلي تقي الدين الفقيه الحنبلي الحافظ المفيد البارع العابدة الناسك ، ولد سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة ، وسمع الخشوعي وحنبلا الكندي والحافظ عبد الغني وكان يثني عليه ، وتفقه على الموفق ، ولزم الشيخ عبد الله اليونيني فانتفع به ، وكان الشيخ عبد الله يثني عليه ويقدمه ويقتدي به في الفتاوى ، وقد لبس الخرقة من شيخ شيخه عبد الله البطائحي ،

--> ( 1 ) الياساق أو الياسا أو السياسة : وهي مجموعة القوانين التي خمنها جنكيزخان وقررها من ذهنه ، رتب فيها أحكاما وحدد فيها حدودا أكثرها مخالف للشريعة المحمدية لذلك سماها الياسا الكبرى وقد اكتتبها وأمر أن تجعل في خزائنه تتوارث عنه في أعقابه وأن يتعلمها صغار أهل بيته ( خطط المقريزي 3 / 60 صبح الأعشى 4 / 310 ) .