ابن كثير

26

البداية والنهاية

لا تعطش الروض الذي بنيته * بصوب إنعامك قد روضا لا تبر عودا أنت قد رشته * حاشى لباني المجد أن ينقضا إن كان لي ذنب قد جنيته * فأستأنف العفو وهب لي الرضا قد كنت أرجوك لنيل المنى * فاليوم لا أطلب إلا الرضا ومما أنشده يومئذ : شقينا بالنوى زمنا فلما * تلاقينا كأنا ما شقينا سخطنا عندما جنت الليالي * وما زالت بنا حتى رضينا ومن لم يحيى بعد الموت يوما * فإنا بعد ما متنا حيينا وفي هذه السنة استدعى الخليفة الناصر قاضي الموصل ضياء الدين ابن الشهرزوري فولاه قضاء قضاة بغداد . وفيها وقعت فتنة بدمشق بسبب الحافظ عبد الغني المقدسي ، وذلك أنه كان يتكلم في مقصورة الحنابلة بالجامع الأموي ، فذكر يوما شيئا من العقائد ، فاجتمع القاضي ابن الزكي وضياء الدين الخطيب الدولعي بالسلطان المعظم ، والأمير صارم الدين برغش ، فعقد له مجلسا فيما يتعلق بمسألة الاستواء على العرش والنزول والحرف والصوت ، فوافق النجم الحنبلي بقية الفقهاء واستمر الحافظ على ما يقوله لم يرجع عنه ، واجتمع بقية الفقهاء عليه ، وألزموه بإلزامات شنيعة لم يلتزمها ، حتى قال له الأمير برغش كل هؤلاء على الضلالة وأنت وحدك على الحق ؟ قال : نعم ، فغضب الأمير وأمر بنفيه من البلد ، فاستنظره ثلاثة أيام فأنظره ، وأرسل برغش الأسارى من القلعة فكسروا منبر الحنابلة وتعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة ، وأخرجت الخزائن والصناديق التي كانت هناك ، وجرت خبطة شديدة ، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وكان عقد المجلس يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي الحجة ، فارتحل الحافظ عبد الغني إلى بعلبك ثم سار إلى مصر فآواه المحدثون ، فحنوا عليه وأكرموه . وممن توفي فيها من الأعيان : الأمير مجاهد الدين قيماز الرومي نائب الموصل المستولي على مملكتها أيام ابن أستاذه نور الدين أرسلان ، وكان عاقلا ذكيا فقيها حنفيا ، وقيل شافعيا ، يحفظ شيئا كثيرا من التواريخ والحكايات ، وقد ابتنى عدة جوامع ومدارس وربط وخانات ، وله صدقات كثيرة دارة ، قال ابن الأثير : وقد كان من محاسن الدنيا . أبو الحسن محمد بن جعفر ابن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباس الهاشمي ، قاضي القضاة ببغداد ، بعد ابن