ابن كثير
256
البداية والنهاية
اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان ، فاقتتلوا قتالا عظيما ، فكانت النصرة ولله الحمد للاسلام وأهله ، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته ، وقد قيل إن الذي قتل كتبغانوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسي ، واتبعهم الجيش الاسلامي يقتلونهم في كل موضع ، وقد قاتل الملك المنصور صاحب حماه مع الملك المظفر قتالا شديدا ، وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب ، وكان أتابك العسكر ، وقد أسر من جماعة كتبغانوين الملك السعيد بن العزيز بن العادل فأمر المظفر بضرب عنقه ، واستأمن الأشرف صاحب حمص ، وكان مع التتار وقد جعله هولاكو خان نائبا على الشام كله ، فأمنه الملك المظفر ورد إليه حمص ، وكذلك رد حماه إلى المنصور وزاده المعرة وغيرها ، وأطلق سلمية للأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع أمير العرب ، واتبع الأمير بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان ، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب ، وهرب من بدمشق منهم يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان ، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفكون الأسارى من أيديهم ، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحا شديدا ، وأيد الله الاسلام وأهله تأييدا وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون ، فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها فاحترق دور كثيرة إلى النصارى ، وملا الله بيوتهم وقبورهم نارا ، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة ، وهمت طائفة بنهب اليهود ، فقيل لهم إنه لم يكن منهم من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان ، وقتلت العامة وسط الجامع شيخا رافضيا كان مصانعا للتتار على أموال الناس يقال له الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي ، كان خبيث الطوية مشرقيا ممالئا لهم على أموال المسلمين قبحه الله ، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ، وقد كان هولاكو أرسل تقليدا بولاية القضاء على جميع المدائن : الشام ، والجزيرة ، والموصل ، وماردين ، والأكراد وغير ذلك ، للقاضي كمال الدين عمر بن بدار التفليسي . وقد كان نائب الحكم بدمشق عن القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سنى الدولة من مدة خمس عشرة سنة ، فحين وصل التقليد في سادس عشرين ربيع الأول قرئ بالميدان الأخضر فاستقل بالحكم في دمشق وقد كان فاضلا ، فسار القاضيان المعزولان صدر الدين بن سنى الدولة ومحيي الدين بن الزكي إلى خدمة هولاكو خان إلى حلب ، فخدع ابن الزكي لابن سنى الدولة وبذل أموالا جزيلة ، وتولى القضاء بدمشق ورجعا ، فمات ابن سنى الدولة ببعلبك ، وقدم ابن الزكي على القضاء ومعه تقليده وخلعة مذهبة فلبسها وجلس في خدمة إبل سنان تحت قبة النسر عند الباب الكبير ، وبينهما الخاتون زوجة إبل سنان حاسرة عن وجهها ، وقرئ التقليد هناك والحالة كذلك ، وحين ذكر اسم هولاكو نثر الذهب والفضة فوق رؤوس الناس ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، قبح الله ذلك القاضي والأمير والزوجة والسلطان . وذكر أبو شامة : أن ابن الزكي استحوذ على مدارس كثيرة في مدته هذه القصيرة ،