ابن كثير

249

البداية والنهاية

المقدم ، وهو أفضل من أمير المؤمنين ، وإنما كان المقدم أبو بكر الصديق ، فقال الخليفة صدق وخلع عليه ، ونفى ذلك الشاعر - وهو الوجيه الفزاري - إلى مصر ، وكانت وفاة الناصر داود بقرية البويضا ( 1 ) مرسما عليه وشهد جنازته صاحب دمشق . ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة استهلت هذه السنة وليس للمسلمين خليفة ، وسلطان دمشق وحلب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن أبي الظاهر غازي بن الناصر صلاح الدين ، وهو واقع بينه وبين المصريين وقد ملكوا نور الدين علي بن المعز أيبك التركماني ولقبوه بالمنصور ، وقد أرسل الملك الغاشم هولاكو خان إلى الملك الناصر صاحب دمشق يستدعيه إليه ، فأرسل إليه ولده العزيز وهو صغير ومعه هدايا كثيرة وتحف ، فلم يحتفل به هولاكو خان بل غضب على أبيه إذ لم يقبل إليه ، وأخذ ابنه وقال : أنا أسير إلى بلاده بنفسي ، فانزعج الناصر لذلك ، وبعث بحريمه وأهله إلى الكرك ليحصنهم بها وخاف أهل دمشق خوفا شديدا ، ولا سيما لما بلغهم أن التتار قد قطعوا الفرات ، سافر كثير منهم إلى مصر في زمن الشتاء ، فمات ناس كثير منهم ونهبوا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وأقبل هولاكو خان فقصد الشام بجنوده وعساكره ، وقد امتنعت عليه ميافارقين مدة سنة ونصف ( 2 ) ، فأرسل إليها ولده أشموط ( 3 ) فافتتحها قسرا وأنزل ملكها الكامل بن الشهاب غازي بن العادل فأرسله إلى أبيه وهو محاصر حلب فقتله بين يديه ، واستناب عليها بعض مماليك الأشرف ، وطيف برأس الكامل في البلاد ، ودخلوا برأسه إلى دمشق ، فنصب على باب الفراديس البراني ، ثم دفن بمسجد الرأس داخل باب الفراديس الجواني ، فنظم أبو شامة في ذلك قصيدة يذكر فيها فضله وجهاده ، وشبهه بالحسين في قتله مظلوما ، ودفن رأسه عند رأسه . وفيها عمل الخواجة نصير الدين الطوسي الرصد بمدينة مراغة ، ونقل إليه شيئا كثيرا من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد ، وعمل دار حكمة ورتب فيها فلاسفة ، ورتب لكل واحد في اليوم والليلة ثلاثة دراهم ، ودار طب فيها للطبيب في اليوم درهمان ، ومدرسة لكل فقيه في اليوم درهم ، ودار حديث لكل محدث نصف درهم في اليوم . وفيها قدم القاضي الوزير كمال الدين عمر بن أبي جرادة المعروف بابن العديم إلى الديار المصرية رسولا من صاحب دمشق الناصر بن العزيز يستنجد المصريين على قتال التتار ، وأنهم قد اقترب قدومهم إلى الشام ، وقد استولوا على

--> ( 1 ) البويضا : " قرية شرقي دمشق " وبها مولده سنة 603 ه‍ وكان عمره نحو 53 سنة . وقد مات بالطاعون الذي لحق الناس في الشام . ونقل منها ودفن بالصالحية في تربة والده المعظم ( تاريخ أبي الفداء 3 / 195 ) . ( 2 ) في تاريخ أبي الفداء : سنتين ، وفي تاريخ ابن خلدون 3 / 537 : سنين . ( 3 ) في تاريخ أبي الفداء 3 / 199 : سموط .