ابن كثير
238
البداية والنهاية
وخمسين وستمائة ، فيكون عمره يوم قتل سبعا وأربعين سنة رحمه الله تعالى . وقد كان حسن الصورة جيد السريرة ، صحيح العقيدة مقتديا بأبيه المستنصر في المعدلة وكثرة الصدقات وإكرام العلماء والعباد ، وقد استجاز له الحافظ ابن النجار من جماعة من مشايخ خراسان منهم المؤيد الطوسي ، وأبو روح عبد العزيز بن محمد الهروي وأبو بكر القاسم بن عبد الله بن الصفار وغيرهم ، وحدث عنه جماعة منهم مؤدبه شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن علي بن محمد بن النيار ، وأجاز هو للامام محيي الدين بن الجوزي ، وللشيخ نجم الدين البادرائي ، وحدثا عنه بهذه الإجازة . وقد كان رحمه الله سنيا على طريقة السلف واعتقاد الجماعة كما كان أبوه وجده ، ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ ومحبة للمال وجمعه ، ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعه إياها الناصر داود بن المعظم وكانت قيمتها نحوا من مائة ألف دينار فاستقبح هذا من مثل الخليفة ، وهو مستقبح ممن هو دونه بكثير ، بل من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ، كما قال الله تعالى ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ) [ آل عمران : 75 ] . قتلته التتار مظلوما مضطهدا في يوم الأربعاء رابع عشر صفر من هذه السنة ، وله من العمر ستة وأربعون سنة وأربعة أشهر . وكانت مدة خلافته خمسة عشر سنة وثمانية أشهر وأياما ( 1 ) ، فرحمه الله وأكرم مثواه ، وبل بالرأفة ثراه . وقد قتل بعده ولداه وأسر الثالث مع بنات ثلاث من صلبه ، وشغر منصب الخلافة بعده ، ولم يبق في بني العباس من سد مسده ، فكان آخر الخلفاء من بني العباس الحاكمين بالعدل بين الناس ، ومن يرتجى منهم النوال ويخشى البأس ، وختموا بعبد الله المستعصم كما فتحوا بعبد الله السفاح ، بويع له بالخلافة وظهر ملكه وأمره في سنة ثنتين وثلاثين ومائة ، بعد انقضاء دولة بني أمية كما تقدم بيانه ، وآخرهم عبد الله المستعصم وقد زال ملكه وانقضت خلافته في هذا العام ، فجملة أيامهم خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة ، وزال ملكهم عن العراق والحكم بالكلية مدة سنة وشهور في أيام البساسيري بعد الخمسين وأربعمائة ، ثم عادت كما كانت . وقد بسطنا ذلك في موضعه في أيام القائم بأمر الله ولله الحمد . ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرة لجميع البلاد والأقطار والأمصار ، فإنه خرج عن بني العباس بلاد المغرب ، ملكها في أوائل الامر بعض بني أمية ممن بقي منهم من ذرية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ، ثم تغلب عليه الملوك بعد دهور متطاولة كما ذكرنا ، وقارن بني العباس دولة المدعين أنهم من الفاطميين ببلاد مصر وبعض بلاد المغرب ، وما هنالك ، وبلاد الشام في بعض الأحيان والحرمين في أزمان طويلة وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر ، وتداولتها الملوك دولا بعد دول ، حتى لم يبق مع الخليفة
--> ( 1 ) تقدم التعليق على مدة خلافته ومقدار عمره عند وفاته . انظر هوامش صفحة 236 .